أبو القاسم الشابي صوت القوة القادم من أعماق الياس /د. عبد الحميد ديوان

أبو القاسم الشابي صوت القوة القادم من أعماق اليأس د . عبد الحميد ديوان إن أول ما يشغل بال الدارس للأدب هو الجانب المضيء في عالم من يتصدى له . بالدراسة وما نقصده من تعبير المضيء هو الجانب الذي يكثف نبوغ الأديب وعبقريته ولقد وجدت في شخصية أبي القاسم الشابي مسرحاً رحباً للدراسة والنظر , فهي عالم واسع مليء بالجوانب المضيئة التي لم ينتبه إليها أي دارس بعد . ولقد دفعني إلى هذا العمل النسيان أو التناسي الغريب الذي أصاب شخص وأدب أبي القاسم في السنوات الأخيرة بعد أن ملأ الدنيا وشغل الناس في فترة ما . لقد كانت حياة الشابي القصيرة كنزاً عظيماً حوى الكثير من النغائس التي يمكن للأدباء الاستفادة منها ولكن الذي حدث هو أن الدراسات الأدبية تركزت وبشكل خاص بعد وفاته بوقت قصير , وكان معظمها لأبناء وطنه ( تونس ) من أمثال الأستاذ زين العابدين السنوسي ومحمد الحليوي ومصطفى رجب وخليفة محمد التليسي وأبي القاسم محمد كرو ومعظمهم أصدقاء مقربون للشاعر دفعتهم الحماسة والوفاء أن يكتبوا هذه الدراسات فخرج معظمها متشحاً بوشاح العاطفة الفياض و اختفت منها نوعاً ما الموضوعية اللازمة للدراسة . وهناك دارسون آخرون تصدوا لدراسة أبي القاسم في الفترة نفسها من البلدان العربية الأخرى أخص بالذكر منهم الدكتور عمر فروخ والأستاذ نعمات أحمد فؤاد والأستاذ رجاء النقاش سارت دراساتهم على وتيرة واحدة تقريباً إذ أنهم درسوا المظاهر العامة للجوانب الشعرية عند أبي القاسم , وغلب على دراسة بعضهم الجانب اللغوي على حساب الجانب النفسي , ثم أخرج الأستاذ عبد اللطيف شرارة دراسة أخرى موجزة حملها بعضاً من منتخبات شعر الشابي وأخيراً صدر ديوانه الكامل عن دار العودة في بيروت مصدراً بدراسة وتقديم للدكتور عز الدين اسماعيل . ولو تأملنا جيداً الدراسات لوجدناها تنحصر في مجملها فيما بين عامي 1947 – 1959 ثم ينتهي كل شيء تقريباً , وأصبح الشاعر نسياً منسياً أو في أحسن الأحوال لا يذكر إلا من خلال قصيدة إرادة الحياة . إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر وأتساءل عن السبب الذي أدى إلى هذا الجمود المفاجئ الذي أصاب الدارسين تجاه الشاعر ؟ فلا أجد مخرجاً لإجابة صحيحة تقنعني وتروي ظمئي . نحن نعلم جيداً أن أبا القاسم الشابي يُعد من أكبر شعراء العصر الحديث ومن رواد الرومنسية في الشعر العربي فهو وجبران خليل جبران في طليعة الشعراء الرومنسيين كما يذكر الأستاذ خليفة محمد التليسي الذي يعد الشابي التلميذ النابغة لجبران ثم هو الشاعر الذي أطلق قصائد تغنت بها الجماهير في ثورتها وبفضلها تدافعت هذه وحققت استقلالها بعد أن كان الاستعمار يجثم على صدرها ولكن كل هذا لم يشفع لأبي القاسم فأهمل وخمد ذكره . ولذلك أراني الأن مندفعاً يحملني تيار من الحماسة لأعيد إلى الأذهان وهج تلك الشخصية الشعرية الفذة ولأطلب من أرباب القلم إعادة النظر في الدراسات القديمة للشابي فإن إعادة النظر الآن ستخلق جواً جديداً وأفكار تختلف عن سابقاتها , ولعل حظ أبي القاسم أكثر توفيقاً هذه المرة . وسأركز في هذه المعالجة على جانب واحد أعده أساس حياة الشاعر لعلي أساهم في إضاءة ما غمض من شخصية شاعرنا الأدبية . إن حياة أبي القاسم كتلة من الآلام لا تسطيع أن تجد فيها نافذة ضوء للسعادة اللهم إلا فترة الحب الأولي التي كانت نعيمه ووجوده ومن أجلها فإن حياته تستحق أن تعاش كما يقول : أيها الحب أنت سر بلائي وهمومي و روعتي وعنائي أيها الحب أنت سر وجودي وحياتي و عزتي وابائي ولكنها سرعان ما انطفأت وخلفت وراءها ركاما هائلاً من السواد يلف حياة شاعرنا . ومنذ ولادته عام 1327 هـ 1909 م . وحتى وفاة أبيه عام 1929م . لم تمسه يد الألم بقسوتها القاسية لا عندما فقد حبيبته فأشتعل قلبه بالحزن وظل يذكر أيامه قضاها في ربوع الحب ويعدها أياماً لن تعود فقد لف السواد شبابه وعمره . بالأمس قد كانت حياتي كالسماء الباسمة واليوم قد أمست كأعماق الكهوف الواجمة قد كان لي ما بين أحلامي الجميلة جدول يجري به ماء المحبة طاهراً يتسلسل هو جدول قد فجرت ينبوعه في مهجتي أجفان فاتنة أرتنيها الحياة لشقوتي أجفان فاتنة تراءت لي على فجر الشباب كعروس غانيات الشعر في شفق السحاب ثم اختفت خلف السماء وراء هاتيك الغيوم حيث العذارى الخالدات يمسن ما بين النجوم ثم اختفت أواه طائرة بأجنحة المنون نحو السماء وها أنا في الأرض تمثال الشجون والتف أهله حوله وحاولوا تخفيف وطأة الحزن الجارف التي صرعته فزوجوه علهم يصرفونه عن أوهامه وأحزانه ولعله يسلى آلامه إلا أن المشكلة ازدادت تعقيداً في نفسه ولم يجد النسيان سبيلاً إليه ولم تستطع تلك المرأة التي دخلت حياته أن تفعل فيها شيئاً اللهم إلا زيادة حزنه نتيجة إخفاقه في زواجه . وتوفي أوه فانتقلت إليه أعباء أخرى زادت من ضغط الحياة عليه وأدت به إلى تدهور مريع في صحته , وظهر مرض القلب الذي كان يحتجب خلف ستائر الصحة الخفيفة التي يجالد بها الحياة , وظل مرضه يزداد شراسه حتى فتك به آخر الأمر وهو في ريعان الصبا . سلسلة من الآلام والأحزان والانهيارات النفسية أحاطت حياة الشاعر ومن الطبيعي أن تؤدي إلى اليأس فالقنوط والنهاية المحزنة , ولكننا نرى عكس ذلك عند الشابي فقد كانت هذه الآلام دافعاً قوياً له كي يتحداها ويخلق من هذا التحدي عنصر الحياة المتجدد , فهو يرفض الألم , ويرى في الحياة متسعاً لدفن الأحزان . أسكتي يا جراح واسكني يا شجون مات عهد النواح وزمان الجنون وأطل الصباح من وراء القرون في فؤاد الرحيب معبد للجمال شيدته الحياة بالرؤى والخيال ثم يرى أن سحر الحياة خالد لا يزول وليس على الانسان أن يتأسى من ظلام مؤقت يقيم فيه , فإنه لا بد من عودة الصباح مرة أخرى . إن سحر الحياة خالد لا يزول فكلام الشكاة من ظلام يحول ثم يأتي الصباح وتمر الفصول سوف يأتي ربيع إن تقضى ربيع تفاؤل مستمر في حياة الشاعر رغم آلامه ومرضه , إلا أن هذا التفاؤل يختفي في أوقات قليلة من حياة الشاعر ليحل محله يأس مرير وقنوط قاتل وهذا امر طبيعي بالنسبة له , فحياته فصول من الألم المتتابع الذي لا يرحم . يا موت قد مزقت صدري وقصمت بالأرزاء ظهري ورمتني من حالق وسخرت مني أي سخر فلبثت مرضوض الفؤاد أجر أجنحتي بذعر وقسوت إذ أبقتني في الكون أزرع كل وعر وفجعتني فيمن أحب ومن إليه أثبت سري وتمضي القصيد على هذه الوتيرة حزن وألم وجراح تقصم ظهر الشاعر وتجعله هشيماً ثم سرعان ما يعود الشاعر إلى وعيه مجدداً فيتناسى حزنه وينطلق إلى الطبيعة ليعبر عن حبه الدائم للحياة وعن تمسكه بها فهي سكني القلب والروح وفيها يدفن الانسان همومه . أقبل الصبح يغني للحياة الناعسة والربا تحلم في ظل الغصون المائسة والصبا ترقص أوراق الزهور اليابسة وتهاوى النور في تلك الفجاج الدامسة *** أقبل الصبح جميلاً يملئ الأفق بهاه فتمطى الزهر والطير وأمواج الحياه قد أفاق العالم الحي وغنى للحياه فأفيقي يا خرافي وهلمي يا شياه إن هذا الانتقال السريع والمفاجئ بين التشاؤم والتفاؤل عند الشاعر يظهر لنا بصورة أو بأخرى الشفافية الحادة التي يتمتع بها شاعرنا والتي كانت سبباً من أسباب قلقه الدائم وألمه المستمر . إن حبه الأول بقي في ذاكرته محفوراً يحتل المكان الأول في قلبه وكثيراً ما يعاوده الحنين إليه فيبكيه ويبكي أيامه الماضية . لست يا أمسي أبكيك لمجد أو لجاه سلبته مني الدنيا ويزتني رداه إنما أبكيك للحب الذي كان بهاه يملأ الدنيا فإني سرت في الدنيا أراه فإذا ما لاح فجر كان في الفجر سناه وإذا غد طير كان في الشدو صداه وإذا ما ضاع عطر كان في العطر شذاه وتجرفه أحداث أمته فينسى من خلالها مآسيه الكثيرة ويدفن فيها أحزانه , بل إنه ينتقم من تلك الآلام التي تحرق صدره فهو يعتبر المستعمر والألم صورتين لوجه واحد وعندما يصرخ في وجه المستعمر الظالم ويتحداه إنما يصرخ في وجه الألم ويتحداه أيضاً . ألا أيها الظالم المستبد حبيب الظلام عدو الحياه سخرت بأنات شعب ضعيف وكفك مخضوبة من دماه وسرت تشوه سحر الوجود وتبذر شوك الأسى في رباه *** تأمل هنالك أني حصدت رؤوس الورى وزهور الأمل ورويت بالدم قلب التراب وأشربته الدمع حتى ثمل سيجرفك السيل سيل الدماء ويأكلك العاصف المشتعل ومهما اختلفت آراء الدارسين حول أبي القاسم الشابي وحياته بشكل عام فإن معظمهم يتفق في أنه كان صوتاً قوياً مجلجلاً في عالم مليء باليأس القاتل وهذا ما يجعل قول الدكتور عمر فروخ بأنه ( شاعر ناقم ) يحتاج إلى إعادة نظر في رأينا ذلك أن أبا القاسم لم يكن ناقماً في شعره بل كان ثائراً على كل شيء على الألم في نفسه وعلى الحياة التعيسة التي يحياها شعبه وعلى الطغاة المستبدين الذين زرعوا الشقاء والظلم في بلده وأرضه . إن قصيدته إرادة الحياة تجسد الإرادة الصلبة المتينة التي بناه الشاعر من أوتار الحزن العظيم في حياته , وهي دستور الشعب الضعيف الذي يرزح تحت عبء الشقاء والظلم يمثلهما الاستعمار . إذا الشعب أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر في جوها واندثر فويل لمن لم تشقه الحياة من صفعة العدم المنتصر كذلك قالت لي الكائنات وحدثني روحها المستتر إنه صوت الحياة المنتصر في أعماق أبي القاسم رغم كل التحديات , رغم كل الآلام والنكبات التي مسحت صورة الرفح من حياته . ويتجسد الصوت القوي مرة أخرى شامخاً كالنسر يتحدى الطغاة والمستعمرين , يتحدى الداء الدفين في صدره يهزأ بكل شيء يعترض الحرية والحب والعدل . سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء أرنو إلى الشمس المضيئة ولا أرى ما في قرار الهوة السوداء أصغي لموسيقا الحياة ووحيها وأذيب روح الكون في إنشائي وأصيغ للصوت الإلهي الذي يحي بقلبي ميت الأصداء ٧هذا هو أبو القاسم الشابي صوت الحياة المتفتح دائماً وأبداً فعلام ندفنه في رفوف ذاكرتنا , وعلام نترك الميت يصرخ في الفراغ البعيد ؟ لماذا لا نوقظ الإرادة في شعره وحياته مرة أخرى , دعوة متجدد أرجو أن تنال مسمعاً من الأساتذة الأدباء والدارسين في كل الوطن العربي . المراجع : شاعران معاصران – الدكتور عمر فروخ . الشابي شاعر الحب والحياة – الدكتور عمر فروخ . الشابي شاعر الحب والثورة – رجاء النقاش الشابي – " مجموعة شعراؤنا " عبد اللطيف شرارة . الديوان الكامل لأبي القاسم الشابي – دراسة وتقديم الدكتور عز الدين اسماعيل . دعبد الحميد ديوان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال