المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف جوزيف شماس

الإعتذار / جوزيف شماس

الاعتذار وقفَ بصمتٍ وخشوعٍ للحظات أمام باب بيت غاف في السكون .. تردَدَ في إيقاظ الباب لبرهة من الزمن .. مدَّ ساعده وبأنامله الخجولة. أيقظ الباب بنقرات خفيفة متلاحقة وأنتظر برهة .. فُتِحَ بعدها . وما إن أطلَّتْ عليه وجَدَها حالمة وعيونها سارحة على مروج الهوى وقد بان التعبُ على محيّاها من تعبِ سهرات الليالي ومداعبة أحلام المشتهى. وعلى ثغرها ترفرفُ ابتسامة مليئة بالشوق والوداد لأيام الصفا وللحظات عشق الحياة. حتى أعتقَ ذراعيه وأمسك يَدَيْها برقة وحنوّ وغافلها وضمها إلى صدره ووَشَمَ جبينها بِقُبْلَةٍ من ثغره الملتهب. فهاجَتْ أنفاسهما وأمتزج الأثير مع عطرِ أنوثتها المزهرة وعبق رجولته الشامخة وتاه الحلم بينهما واحتقنت المآقي من لألئ دمع اللقاء. لحظات من ذاك الزمن الكسول عن الرحيل وسكونٌ صامتٌ حائرٌ حلَّ بينهما. وما إن حاول أن يهمس لها بما يرنو إليه كي يفصح عن سرٍّ كامن بين ضلوعه حتى ازدادت به التصاقا لتَبُث الدفء بين ضلوعه. فأدركَ أنّها عرفت سرَّ صمته وقد عَلِمَتْ من معاني نظراته الدالة على الاعتذار. جوزيف شماس 

حوار موسيقي / جوزيف شماس

حوار موسيقي بدأت تعزف على آلة الكمان وكأنها تريد أن تقول لحبيبها: · أرجوك أبتعد عَنّي لأنَّكَ لا تعرف ما في داخلي. وكُفّ نظراتك عنّي لأنَّها تكبّلني. فهبّت أنامل الحبيب واستمدَّت القوة من آلة البيانو. وبدأت تتراقص على جباه أصابعه وتحثَّه على الرد: § أنا الوحيد الذي يَعرفكِ جيداً ترد أوتار الكمان بنغم شجيِّ: · ماذا تعرف عنّي؟ فتتراقص أصابع البيانو ثانية وتردُّ بطربٍ وزهوٍّ: § أعرف أنَّ في داخلكِ طفلةٌ رضيعةٌ. وبين ضلوعكِ صبيةٌ أسيرةٌ. وأناملكِ مرتجفةٌ وفي روحكِ مواهبٌ دفينةٌ وعواطفٌ تائهةٌ. تعصف آلة الكمان ثورة بأوتارها وتسأله: · وماذا أنتَ فاعلٌ؟ يعزف البيانو ضاحكاً ويقول: § أنا من سيفطُم طفولتكِ ويحرر صباكِ ويحضن أنوثتكِ ويروي عواطفكِ ويفجر مواهبكِ ويبث الدفء في أناملكِ. لأكون حبيبكِ وعبدكِ للأبدِ. لحظات ويهبط السكون وتندثر الهمسات وتمتلئ القلوب بطيب كلمات الهوى وترفرف الأمنيات ويتدفق نبع الحياة ويخلق الكون من جديد. جوزيف شماس 

الحلم / جوزيف شماس

قصة قصيرة  الحلم صحت على حلم كان يتغنى بتراتيل العشق المدفونة في أعماقها، يكلمها بمفردات منسوجة من همسات الأمس القريب، يحاكي انكسارات روحها بمقامات غجرية هاربة من بين درفات قلبها المجروح بمخالب من كان حبيبها، ذاك الحبيب الهيروديسّي الذي صلب ودادها على خشبة ملعونة عفنة مليئة بمستعمرات من السوس. أمالت بجسدها المتعب وجلست على عتبات ذاك الحلم الموشح بشال ملطخ بسواد من ريشة الظلام، فلمحته يجرف ذكريات السنين الماضية ويقذفها في وادي محزن على وسادة الألم، تنتقل من سرداب مظلم رطب إلى سرداب أشد ظلمة ورطوبة، وبأناملها الناعمة المرتجفة تكتب بضعة كلمات على وسادتها المبللة وترحل لذاتها تكلمها : هكذا ستكون أيامي معه رغم كل بيارق الأمل التي تمزقت حين أطفأت الأنوار وافتتح الستار وبان عارياً على خشبة مسرح الحياة، حينها جمعت دموعها الحارقة وقذفتها في دهاليز النسيان ومسحت صباغ الحزن من على وجهها وهبت لتفتح نوافذ غرفتها لتستنشق بواكير نسائم ربيعها القادم، تلك النسائم المعطرة برياحين الحنين إلى الذات، ونظرت محدقة لتعمّد روحها بقطرات الندى المنثورة على صفحات أوراق الحياة، وقررت أن تغيب عن مملكته بعد أن ل...

أفتح الستار / جوزيف شماس

أفتح الستار في آخر ساعات الليل الراحل إلى حضن الزمن الماضي. أغلقَ دفتره وودعَ قلميه وبدأ يتصفح خواطر وأشعار الأحبة والأصدقاء. فجأة تزاحمت كلمات الشكوى والخيبة حول صوان أذنه. وطار النعاس من تحت جفونه وهاجرَتْ السكينة وكادت مصابيح الأمل أن تنطفئ. فما كان منّه إلا أن يزيح ستار الحزن ويضيء قناديل الأمل. ويترك العنان لروحه لتعانق بشائر النصر القادم. وما إن استكانت أنفاسه حتى أيقظَ ولده وقال له : أفتح الستار أفتح الستار يا ولدي وأعلن وطني سوريا وقُل أنا مشرقي الأصل أنا سوريٌ عربيُّ المنبت لا اخجل من نسبي أنا كلُّ المذاهب والأديان أنا كلُّ الطوائف والأعراق بلاد الشام أوطاني وبلاد الرافدين فخري واللواء أرضي وأنطاكية قُبلتي أفتح الستار يا ولدي وأعلن عن بدء لحظة النطق رغم كل أنواع القهر والفِتْنَة وقل أنا من معلولة وأرواد ومن أدلب وحماه ودير الزور ومن سهول حوران والفرات لي فخر أنا من حلب الشهباء من الخابور وجبلة وبانياس أنام من دمشق وأحلم بالقدس أنشد للسويداء وبصرى الشام أفتح الستار يا ولدي ودع شهرزاد وما تروي وشهريار نائم في الحلم ومن ينوح ومن يشتكي ويَصُفَّ الكلمات ولا يدري معنى الكرامة وحبَّ ...

موهوب /جوزيف شماس

موهوب دخلتُ غرفتها وفي يدي طاقة من الأزهار جامعة لكل ألوان الورد وطيب أريجها ، باقة كنتُ أحلم أن أقدمها لها يوم قدوم مولود حلمنا البكر ، وحين اقتربت منها لأقبّل جبينها لمحتُهُ يتجرعُ ويرضعُ متلذذاً حالماً وهو ينظرُ إليَّ وكأنه يسألني : أليس من حقي أن أرضع وأحلم مثلما يطيب لي؟ صحيح أنا من مواليد هذا اليوم لكن ما الضرر في أن أحلم مثلما يحلم الآخرون ؟ وهل من قانون يمنع أيّ رضيع مثلي من أن يحلم ؟ ويرمقني ويؤكد لي معبراً: أنا منذ اللحظة الأولى لتكويني. منذ أن وجدتُ جنيناً في رحم أمي انتابني إحساس بأنني موهوب في رؤية الأحلام ، وعندما رغبت أن أتأكد من موهبتي استدرت حول نفسي فلم أجد من أسأله عن صدق إحساسي، ووجدتُ نفسي وحيداً في رحاب المكان، فغفوت متكوراً على جذعي ولصقت رأسي على صفحة بطن أمي. وصمتَ طويلاً وأسدلَ جفنيه غير مبال بوجودي وحضن ثدي أمه وتلمّس حلمته وخبأها بين شفتيه وتابع في الرضاعة وهو يتلذذ بمذاق سائل الحياة. وما إن قررت البعاد عنه وعن أنفاسه حتى فتح عينيه ورمقني مجدداً، وكأنه أراد أن يوقفني ليقول لي: قبل أن تذهب عليك أن تعلم بأنني قد أدركت بوجود موهبتي في رؤية الأحلام منذ اللحظة ال...

الصرخة / جوزيف شماس

الصرخة منذ أن غادرت رحمَ أمِّها الدافئ. أطلقت صرختَها الأولى تستقبلُ بها الحياةَ الجديدةَ. منذ تلكَ الصرخَةِ التي ما تزالُ جاثمةً على صدرِها رغمَ مرورِ أكثرِ من رُبعِ قرنٍ على زواجها. وها هي جالسةٌ على عتباتِ خريفِ العُمرِ تُودّعُ وريقاتِهِ الموشومةِ بأثرِ تلكَ الصرخةِ, ورغمَ محاولاتها الدائمةِ لإزالتها من بين الضلوعِ, لكنْ دونَ جدوى, لا بلْ تصلّبتْ, وعلا صوتها مع قسوةِ الظروفِ وتراكُمِها. في هذه اللّيلةِ الفاصلةِ من عمرها والقمرُ ما يزالُ مُتَعثراً في الظهورِ, ونجومُ السماءِ قد اختفتْ خلفَ ستارِ السحابِ. جلسَتْ تتذكّرُ ليلةَ زفافها, والحزنُ يملأُ عينيها, وهي تراقبُ قدومََ الليّلِ القاهرِ؛ المبدّدِ لضوءَ النهارِ.. غيرَ مُبالٍ ببكاءِ طفلةٍ شريدةٍ, أو اغتصابِ فتاةٍ يافعةٍ. إنّهُ ذلكَ الليلُ الساترُ لآلامِ الشعوبِ ولتشريد شعبٍ كاملٍ عن ترابِ وطنهِ. نظرتْ بعيونٍ دامعةٍ إلى زوجها, لعلّهُ يُسمعُها أطرافَ كلماتٍ حلوةٍ. فوجدتهُ منهمكاً في تصفّحِ الجرائدِ المختلفةِ العناوينِ, المتشابهةِ المضامينِ والترّهاتِ. وبين الفينةِ والأخرى كانَ يسترقُ نظرةً إلى بعضِ ما يقدِّمُهُ التلفازُ, فيشتمُ تارةً ويل...