مدارسنا الآن و قصة من الزمن الجميل/محمد خيري رشيد
مدارسنا الآن وقصة من الزمن الجميل:
**********************************
كنّا في الصّف الثاني المتوسط ..
كان أستاذ الرياضة مولع بالشعر حدّ النُخاع
كان الجوُّ ماطراً بكثافة
دخل الأستاذ إلى الصف...
كنا ننظر إليه.. ونعلم ماتوسوس به نفسه..فقد عوّدنا على ما كان يطلق عليه في مثل هذا الظرف أن يبدأ مساجلة شعرية لا تنتهي إلاّ بانتهاء،الدّرس..
-جلوس..قالها وهو يرفع كفه وينزلها بطريقة فريدة.
شاب في الثلاثينات. طويل القامة جميل وجهه..ترك مدينته الحلة وعين مدرساً في الموصل ..
مع ابتسامة جميلة ولطيفة قال :
-هيا فلنبدأ.
واطلق بيتاً من الشعر كالعادة عندما يفتتح المساجلة الشّعرية أو كما يسميها هو مطارحة شعرية..
كان معلوماً لدينا إن طلبة الصف ينقسمون إلى فريقين..
ألفريق الأيمن والفريق الأيسر حسب ترتيب جلوس الطلبة..
كنت أجلس ضمن الفريق الأيسر
أطلق الأستاذ البيت الشّعري الذي سيبدأ به السّجال..
وكالعادة يبدأ الفريق الأيمن بالرّد..ثم يردُّ فريقنا من حيث الحرف الأخير للبيت الشّعري الذي انتهى إليه الفريق الأيمن ..
والأستاذ،بشغف بالغ يوزّع حركاته والتفاتاته مابين الفريقين وكأنه يستحثّهم على الإجابة..
أتصوره الآن وكأنه مقدم برامج مسابقات في التلفزيون ..
مضى الوقت وهو يسجل نقاط كل فريق على السبّورة..كان الدرسُ،طويلاً..قياسا بما تختزنه ذاكرتنا الغضّةمن أبيات تعلمناها من الكتب المقرّرة..بينما يمتلك الأستاذ دواوين من الشعر العربي الجميل في ذاكرته اليقظة..
تتملّكنا الحيرة عندما ينفذ رصيد ما نحفظه من أبيات الشعر .
مرة فكرت ان (أخترع)-كنت اقوله هكذا -بيتاً من الشعر وأرد وقت الحاجة..
وفعلتها مرة أو مرتين...
كنت أُلاحظ الأستاذ يقف وعلامة حيرة على وجهه كلما اخترعت بيتاً..
أتذكره الآن وكأنه يريد أن يعرف شيئاً عن ذلك..ربّما كان يريد أن يقول بيت ركيك أو أن يقول مَن الشاعر الذي كتب هذا البيت..فهو منغمس في الشعر ويقرأه كثيراً..لكنه لم يسأل مثل هذا السؤال لان كرامته لا تسمح له أن يسأله..فهو مرجع في المعرفة وصديق وفيٌّ للمتنبي وأبي نؤاس وبشار وعمر بن كلثوم. وغيرهم..لكني أحس أ ن لديه رغبة في هذا السؤال..
في يوم ماطر آخر..
أشرَفَت المسابقة الشّعرية على نهايتها
وكانت نتائج المسابقة تشير إلى التعادل بين الفريقين..كانت الفرصة الأخيرة موجّهة الى فريق اليمين..عجزوا عن إيجاد البيت الشعري المناسب..
إلتفت إلينا الأستاذ بحركاته المعهودة والأبتسامة تعلو فمه ويشير بأصبع سبابته إلى فريقنا برشاقة جميلة:
-إي..
ويكمل بلهجته الجميلة..:"شنو البيت كولوا وفوزوا.."
وتمر لحظات صمت وحيرة في فريقنا..
-ها !!!ماكو؟يستفسر جذلاً..
وإذا بي أرفع يدي وأنهض!!
وقبل أن أقول أي شي..
تبدو على وجهه علامة الإنشراح..تنفتح عيناه بكل فرح وتتوسع ابتسامته على شفتيه. وكأنه ينتظر وحياّ سينزل.. هكذا كان ولعه بالشعر ولادةً وسماعاً وقضيّةً..
-إي محمّد..حرف الهمزة
فقلت والحيرةتتملّكني والخجل مرسوم على وجهي بيتاً من الشعر يبدأ بالهمزة:
إرضَ ولاترضَ فإنّك راحلٌ
جلَّ الّذي لو شاءَ ما أرضاكا
إنهمك الرجل..وتغيرت ملامحه. مازادني خجلاً وقلقاً..وجلست دون أن يسمح لي..
-لا.لا إنهض محمَد..
قالها وكأن صعقةٌمسَّته.
ثم قال: منو قائل هذ البيت؟
ترددت في الاجابة:ثم قلت بتخاذل:
-أنا حافظه أستاذ !!إجابة بعيدة عن السؤال!!
قال:أعرف أنّك حافظه لكن من القائل؟
وببعض التردد قلت له:
-أنا يا أستاذ!!!
إلتفت إلى الطلبة وخاطبهم جميعا...
-ماذا تقولون..أصادق هو؟
وبصوت جماعي تقريبا قال فريقي :نعم.
ضحك الأستاذ من موسيقية الرد الجماعي.
وبعد لحظات صمت..
حيث ننتظر حكمه ..
هل سيضيف درجة لفريقنا أم لا؟فهذه الفرصة الأخيرة إما أن نفوز أو نتعادل..
إلتفت إلى السبّورة وكدنا نطير فرحاً وهو يمدّ يده إليها ويضيف درجة إلى رصيدنا..
لكنّه التفت إلينا بحركة مسرحية..وسبابته اليمنى تشير إلي:
-شوف محمّد..إذا ثبت أن هذا البيت من نظمك فسأعطيك درجة كاملة على الكارت
...لكن..
وتوقف قليلاً..والله يا محمّد إن كنت قدنسبته لنفسك وهو ليس لك فسوف أرسّبك في الرياضة حتى لو كنت من الأوائل ..
إرتعشت قواي وأنا أسمع هذا الكلام
هي الهواجس..ربما هناك بيت شعر قد قيل يشبه ما قلته.. حينها سيعاقبني مدرس الرياضة وسأكون في،صف الراسبين..
بعد أسبوع وزّعت نتائج الإمتحانات..فكان يزين حقل الرياضة درجة ١٠٠..!!!
✍:محمد خيري رشيد.
-
تعليقات
إرسال تعليق