احتدام الذاكرة/ محمد خيري رشيد
أحتدام الذاكرة:
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
توقفت مزامير اللّظى
سكتت مدافع الموت
ولم نعد نسمع أزيز الرصاص
حملت نفسي واتّجهت إلى الشارع المجاور للمنزل
على الرغم من الألم الذي أحس به نتيجة شظية تائهة استقرت في قدمي اليسرى قبل أن تهدأ الاوضاع في المدينة
الشارع خالٍ إلّا من بعض الفضوليين أمثالي..
كان الجوّ ينذر بعاصفة ترابية على ما بدا.
يشتد ألم قدمي تدريجياً
جلست على دكة قريبة لإحدى محلات البقالة القريبة مني..
بدأت بواكيرالعاصفة بريح خفيفة إشتدت شيئاً فشيئاً
هممت العودة إلى منزلي..حين دفعت لي الريح
دفتراً من النوع الرخيص..
لم يثر اهتمامي فقدكان دفتراً مهلهل الأوراق ملوثاً بقليل من الدماء..
خطوت بأتجاه المنزل
بدا أن الريح تشاكسني
وتدفع بالدفترذاته الى قدمي
انحنيت وتناولته
إجتاحني الفضول لأقرأ ما فيه.. فتحت الصفحة الأولى
كان الخط جميلاً جداً
يغريك بقراءته على الرغم من تمزيق بعض أوراقه واتشاح بعضها بالدماء
لم أعد إلى البيت..
عدت وجلست على الدكّة
وبدأت القراءة
"كنا في البيت تسعة أشخاص..
اشتدّ القصف بشكل هستيري هذا اليوم..
فانتقلنا إلى مخزن صغير مساحته لا تتجاوز المترين بوصفه أكثر المناطق أمنا في المنزل.
أنحشرنا داخله كعادة كل يوم يشتد فيه القصف..
وفجأة رنّ الهاتف
شئ غريب!!
كيف يرن الهاتف وأجهزة الإرسال معطلة في المدينة كلها ولا يوجد تغطية
فتحت الهاتف
لم يستجب...
رن الهاتف مرة أخرى
فتحته
وكانت المفاجأة
سمعت صوتاً من الطرف الاخر..
كانت أختي من بلاد الغرب
من دون أية مقدمات قالت:
-سيقتلني القلق..
ماذا يدور؟
لم تنتظر مني جواباً .
استأنفت:
-سمعت في الأخبار شيئاَ عجبا
في صحف الصباح
قرأتُ بحثاً فظيعاً مرعبا
رأيت في التلفاز
أطفالاً..نساءًوشيوخاً نُجَّبا
يُقتلون يُذبحون
والبعض ولّى هربا !!
توقَفتْ للحظة لتسترد أنفاسها..
ثم قالت:
أولادنا هنايسمعون بقلق أخبار البلد..ويتلهفون لمعرفة اي شيء عنكم.
وفي وسط دهشتي كيف عمل جهاز الإرسال..
قلت لها:
-لاتعجبي أخيتي
فما سمِعتم لايعدل عشر معشارالحدث
-احكي أليً ياأخي ..
ماذا حدث؟
-ماذا أقول ؟مالحكي؟
هنا اختفت بيوتنا في متاهات اللهب
وتلظّت الأرض بانفجارات القنابل والصخب
والناس في هرج وفي مرج
يُنفثُ من حناجرهم غضب
يصرخون...يستغيثُون وبعضهم رأيته قد انتحب
ماذا اقول أخيتي
عن الدمار..
وكيف بيتي دمَّرهْ
كيف أطفالي اختفوا
بهاونات حائرة
في ليلة ليلاء كانت عاسرة
اختفى فيها القمر والبيت صار مقبرة
وأضلع الأطفال تسحق
بانهيارات السقوف الجائرة
فلا صوتاً سمعنا ولاصراخاً.
إلا انثيال التراب ..
والأحساس بالاختناق
تبخرت أرواحهم تحت قسوة القصف وربما الرعب الساكن قلوبهم
ماذا أقول ؟
لم يعد في الدار أحد
حتى الطيور هاجرت
والزهرة ..تلك التي زرعتِها ذَوَتُ!
أحسست أني أثقلت عليها..
سكتُّ.
لكنها تسارعت :
_نعم اخي ماذا بعد؟
-نحن في حرب أخية
ليس في أيدينا شيئاً
لكنها بنبرة المشدوه تسأل:
-كيف أولاد العمومة
-حالهم كحالنا لابل أشد وطأة
فأيمن الموصل
تحت لهيب القصف والقنص
عاشوا ليالٍ مرعبة
سحقتهم الحربُ
ذوَّبتهم مسغبة.
كلما أحاول الصمت لأسترد أنفاسي قليلا..تستعجلني:
_نعم أخي ماذا بعد؟
ماذا أقول لها ..
شريط الأحداث مرسوم بذهني..
عن الدمارِ..
عن البيوتِ تهدَّمتْ..
عن العوائل شُتّت
كان ابن عمي شاهداً
عن طفلةٍ تحت الركام حوصرت
كتلات صخر حولها
تصرخُ ملءَ صوتها
ياوالدي..ياأبتِ
فيستغيث..
وصوته تبدّدا
ويأتي صوت أختي عبر الهاتف محشرجا:
_ وماذا بعد؟
-هي حربٌ..
هي عارٌ
على جبيننا انكتب
هو الحياة أنتٌهِكت
وقُتِلت
وإلى الآن تُغتصب
سكتُّ..
لكنها تطلب المزيد:
-وماذا بعد؟
لااستطيع ان أخبرها بأي شيءآخر ..فصوتهايوحي بانهياركيانها ..
فتَحتَ لهيب القصفِ
يخطف الموتُ بعضنا
يلاحق بعضنا
قلوبنا تذوي..
بيوتنا تصرخ
وكل شئ هاهنا يصيح
شعابُ النار مفتوحة
مدامع الناس جفَّت
طفل جريح هاهنا
وشيخ هناك يئن
هنا الجياع لا يجدون ما يأكلون
بلا دمع عيونهم تبكي
بيوتهم تبكي..أو بقاياها
يسود الصمت .ثم يأتي صوتها متوسلا ويائسا:
-وأخي.. ؟
وكأني أراها تنازع موتاً .
تعمدت أن أتجاهل سؤالها رحمة بها ..
كنت أظن أنها لاتعرف
فقلت :
ماذا به؟
فاجأتني..احكي لي كيف قتل؟
كيف عَرَفَت؟ لست أدري .
لامناص..
قلت لها وقد داهمني الألم ..
وخبا صوتي والدم على راسي هجم:
_رأيته يخور
مهشماًببنادق الطغاة..
وجسمه منخور
يسقط هاوياً..
مضرجا بدمٍ يغور
على تراب الارضِ ومابين الصخور..
أسكتْ..
فقد ضاق عليَّ نَفَسي..
وسابق صوتي البكاء
تستشعر ألمي فتحاول تهدأتي..
فأسترسل والدمع يغالبني ويرتفع صوتي دون أن ادري
-مسحت الدم عن رأسه
وعن وجهه..
وعن صدره
فقد قدرته على الكلام..
اومأ برأسه أن اقترِب..
لامس وجهي وجهه.
قال لي همساً
بصوتٍ فتّته الألم :
_ يمر الموتُ من صدري
ومن قلبي ..
إلى حلقي ..
إلى انفي ..
لحظات كجمرات الجحيم..
أسمع بكاءها عبر الهاتف اللعين..
لكنني تجاهلت..واسترسلت:
_حاولت نقله إلى مستشفى أو إلى مكان آمن ..
الوقت فات ولم أنجح
صوت بكائها يتحول إلى نحيب
أسكت..أتساءل ماذا سأحكي بعد كل هذا؟
فما حدث في بيتنا
في حيِّنا
وفي المدينة كلها
زلزال..
جعل الدنيا وبال
سحق الناس والأشجار..
صالَ وجال
حوَّ ل الأرض ركاماً
وحريقا ورماداً وظلال.
أحس أن انفاسي تتقطع..
فأغالب وأكابر ثم أستأنف لأقول:
-الموت مألوف هنا
ألفناه جميعنا
ألفتهُ أزقتنا..وبيوتنا
اعتاده الأطفال
فهم يلعبون لعبة الموت
ويتحدثون عنه مع دمياتهم
موجود كما الشمس
كما التراب .كماالمطر
قبل أن أسترسل انقطع الاتصال..
وأمام عيني أحداث وأحداث وأحداث.."
طويت الدفتر لأجد رجالاً من الحارة مجتمعين حولي ويدعونني لمغادرة المكان..قال أحدهم " بدأت العاصفة..
بقلمي:
محمد خيري رشيد
تعليقات
إرسال تعليق