ظاهرة القابلية / أحمد بلول

ظاهرة القابلية
القابلية لغة : مصدر صناعيّ من القبول.
وفي المصطلح : تعني الرضوخ والخنوع والاحتواء ، فإذا احتواك الآخر تصبح لديك قابلية لكلّ شيء يدلي به ، أو يقوله أو يقدّمه ،فأنت حينئذٍ آلة في يدِ صانع ٍ، بل تصبح تعتزّ بذلك الانتماء فكريّا و ثقافيّا ، فأنت نسخةٌ جديدة منه لأنّك بذلك تكون قد فقدتَ الأصلَ الذي كان درعاً حمي هويّتك ، من لغة ، وثقافة ، ودينٍ ، وحتى جغرافية تريدا أن تكون مثل تلك ، فهي قريبة من فكرة التقليد الأعمى كما سمّي، الذي تُنجَز أفعاله دون تروٍّ ولا تفكير ما دام الفعل صادراً عن الإدارة الفاعلة المتحكِّمة ونعني بذلك المقلَّد . ماذا نعني بظاهرة القابلية ؟ وما أسبابها ؟
إنّنا نقصد بهذه الظاهرة ظاهرة القابلية تلك الخاصّية التي توصف بها بعض المجتمعات، كما يوصف بها بعض الأفراد ، والتي تشبه إلى حــدّ بعيد التقليد الأعمى ، وقد تكلّم عن ظاهرة (قابلية الاستعمار) – مثلاً- المؤرِّخ عبد الرحمان بن خلدون: ( المغلوب مولعٌ بسياسة الغالب) ، كما تكلّم عن ظاهرة (قابلية الاستعمار) – مثلاً- المفكّرُ الجزائريّ مالك بن نبي رحمه الله ، وقد لعب الاستشراق لعبتَه منذ قديم في تطويع الفرد والمجتمع فنزع منه فكرَه ولباسَه ، كما لعبَ الغزو الفكريّ، والإعلاميّ، والثقافيّ الدورَ الرئيسَ في هذا المجال، هذا على مستوى المجتمع،فأصبحت مجتمعاتنا العربية تفعل أشياءً محدَثَةً غريبة ًعن أصلها وأصولها في أعراسها ، وأتراحها بما يشبه المسخ فأصبح أبناؤنا يهرعون مثل الفراش إلى البريق الحضاريّ طوعاً منّا يشبه الكره أو كرها منّا يشبه الطوع على حدّ قول البشير الإبراهيمي رحمه الله،هذا على مستوى المجتمع ، وقد يكون على مستوى الأفراد ، فحين يحتويك الآخر ينزع منك ملكية القيم والهوية وهذا ما نراه في أوساط شبابنا وكهولنا وحتّى شيوخنا من مسؤولينا ،حتى على مستوى الوزارات والحكّام في اللغة –مثلاً- على مستوى الخطاب فلا يحلو له قولٌ أو إدلاء برأي إلاّ إذا تحدّث بلغة الاستعمار رغم أنّه يُجيدُ اللغة العربية، ولو أنّك أخذتَ عيّنةً فرديةً على مستوى الأفراد تجد هذا الأمّي ، أو هذه الأمّية تكرّر هذه الكلمة ) : merci )رغم أنّه أو أنّها لا تعرف سوى هذه عندما تتودّد بها للآخر لإظهارها وللفْتِ الأنظار أنّها من الطبقة المتحضّرة .
ولكن ما أسباب هذه الظاهرة والتي تفرّعت عنها ظواهر من جنس الوظيفة – كما رأينا- أي القابلية في الأفكار، في اللغة ، في الثقافة ... ؟
إنّ أهمّ شيء – فيما أرى - أنّنا لم نتحرّر بعدُ ، فإذا تحرّرت أوطاننا لم يتحرّر فكرنا من ربقة الاستعمار التي مازالت تلتفّ حول أعناقنا ، ولا يزال يغذّيها هذا المستدمِرُ ودليل ذلك هذه العلل التي ذكرنا ، كما أنّ أهمّ شيءٍ سخّره لاحتوائنا تفقير بلداننا ،والعمل على تجهيل مجتمعاتنا من إقحام لغته وفكره في منظومتنا ، وبثّ الفوضى الفكرية فيها ، ودسّ السمّ فيها الذي طعمُه عسلُ، ومفعوله موتٌ وكسل ، ولايزال كذلك ينهب خيراتها ومكتسباتها بأدواته الخاصّة حتى إذا أشرقت الأرض بنورها ووضع الكتاب ../ عن / هواجس وأفكار للأستاذ الكاتب : بلول أحمد المسعديّ / الجلفة الجزائر .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال