التحرش الجنسي / أحمد بلول

التحرّش الجنسيّ :
إذا كان التحرّش بمفهومه- فيما أرى- يقتضي ذلك العمل من سلوك في الإيحاء ، والإثارة في القول ، والفعل ، بما يوحي المثير الجنسيّ من إسماع صوت ، أو رائحة ، أو عرض صورة ، أو لباس ما ، يوحي بفكرة من جنس العمل في الرغبة ، والدعوة الصريحة وغير الصريحة ، أو التعنيف من كلّ أصنافه ، فإنّنا نقول : متى نحوز براءة التحرّش؟ ، ألم يكن خضوع القول والتبرّج يثير طمع النفوس المريضة ؟ : [ ..فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ...] 1، وحاشا لله أن تـُـتّهَم أمّهاتُ المؤمنين بذلك ، وإنّما كان تأصيل القدوة بهنّ رضي الله عن هنّ ، وإذا كان خفض القول مثيرا للنفوس المريضة ،فما بالك برقّة الصوتِ وإظهار عذوبتِه ، والإشارة بطرف العين ، والرموش الذابلة بإطباق الأجفان ، وإبداء الرغبة في المشية ، والنظرة ولمثل ذلك ما جعل عمرَ بنَ أبي ربيعة يبوح بأسرار لوعته وصبابته : [[ أَشَارَتْ بِطَرْفِ العَيْنِ خِيفـَةَ أَهْلِهـَا.**.-إِشَـارَةَ محـزون ٍِ ولـَـمْ تَتَكـَلَّـم ِ فَأيْقَنْتُ أنَّ الطَّرْفَ قَدْ قـَالَ مَرْحَبًـا..**وأهـلا وسهـلا بالحبيـبِ المُتيَـَّم ِ ؟ ، وما بالك بالتطيّب المثير : [ أيّما امرأة استعطرت فمرّت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية ...] 2
قدّمنا هذا التعريف البسيط لمقاربة التصوّر الدلالي للتحرّش،لعرض قصّة حدثت يوما من الأيّام ، وإذا كان قانون التحرش يحمي المرأة ، ويكفل حقوقَها ، فما القانون الذي يحمي الرجل ويكفل حقوقه ؟ أم تريدون أن تقولوا : إنّ المرأة هي ضحية التحرش ، وليس الرجل ؟ ، وإذا كان كذلك فما تفسيركم لقوله تعالى : [ وَرَاوَدَتْهُ الّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نّفْسِهِ وَغَلّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ] ؟ 3 أم تريدون أن تجعلوا من المرأة ملاكا ، والرجل شيطاناً ؟ أم تريدون أن تسمحوا للمرأة أن تبني شَرَاكَها ،وحبائلَ كيدِ ها ، وإذا وقع الرجل جعلتموه جانيا متحرّشا متعدّيا ؟ إليكم القصّة التالية وليكن حكمكُم عادلا، من تحرّش بالآخر ؟،وقد يحدث مثل هذا كثيراً : نحن في سيارة تنتظر الإقلاع ينقصها اثنان ، وإذا بشابة في مقتبل العمر زينة الثياب رقيقة الأطراف ذات القدّ ، والشعر الكثيف المرسل على أطرافها تدلّى كعناقيد قَطْفٍ من عنبٍِ ، و ظهور شيء من الجمال عليها ، وطلبتْ من شابّ كان يجلس في المكان الأماميّ للسيّارة ، لأنّ في تقدير قولها أنّها لا تريد أن تحتكّ بالرجال، وهذا إلى حدّ ما شيء جميل في العرف والتقليد ، فأبى الشّاب أن يترك لها المكان ، فسألت السائق : مَن بالمكانين الأخيريْن ؟ قال السائق : أنت وأحد معك ، قالت : أدفع لك أجرتي المكانيْن على أن أبقى لوحدي فيهما ؟ قال السائق :بكلّ سرور،و أقلعت السيارة ، وكان اليوم شديد البرودة لا أحد يكاد يستطيع أن يُخْرج يدَه من قرّ الصقيع ، ورذاذ الثلوج المتساقطة كي تفتح المنافذ ،و جعلت الشابة تُفرِغ على ثيابها شيئا من العطور المستوردة ، وكانت عطورا مثيرة حقا لو صببتها على يابس لاخْضرّ أو مريضاً لعطس ، وكان أغلب الركاب شبابا بما فيهم السائق ، إلاّ أنا قد غزا رأسي شيءٌ من ثلج المحن ، و بدأوا يتهامسون ، ويتغامزون ، و يهمسون في آذان بعضهم ،وشيء من الضحك الملثّم ، حتى كادتْ السيارة ُتنحرف بنا جميعا ، فقلت في نفسي : من المتحرش بالآخر يا عبد الله ؟يا من صوّتَ على قانون التحرّش ؟ إن التحرش بنا كاد يقتلنا ، وما صبرتُ ، ولم أتملّك نفسي حتّى صحتُ قائلاً : افتحوا المنافذ ، فقد أسكرنا صقيع من لا يجلس بقرب الرجال ، ومضينا حتّى وصلنا سالمين ، وعند نزولنا ، همس في أذني أحد الشباب : إذا رأيت امرأة ًتمدّ يدها للمساعدة من غرق أو .... فلا تأمننها فقد يكون في الحساب شيءٌ من إنّ .....إلاّ ما رحم ربّي ، وافترقنا قائلين : اللهمّ قِنا شرّ نفوسنا ، واصرف عنّا كيد الكائدين ....
الكاتب والشاعر : أحمد بلول المسعديّ/ الجلفة / الجزائر
1/ : الآية 32/ سورة الأحزاب
2/ : أخرجه بهذا اللفظ ابن حبّان ( 4424) ، وابن خزيمة ( 1681) ، وهو عند أبي داود ( 4173 ) ، والترمذي ( 2786)
3/ الآية 23 سورة يوسف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال