نبتة شيح / أحمد بلول

نـــــــــــــبتةُ شيحٍ
لي قطعةُ أرضٍ أحببتها كحبّ الأمّهات للأبناء ، أو حبّ العاشقين المجانين الشعراء ، أو لربّما يشبه حبّ الفحول الشرفاء من الرجال للوطن والعرض ، وقد حباها الله تربة تُنبت الجمال إذا جادت سماؤها بماء الغيث ، فتزّيّن بأجود حليّها كعذراء العرائس ليلة دخولِها بيتَ فحلِها ،ووشاحها الذهبيّ يبرق سماءَ جيدها ، تغشاه أحيانا سحابة بيضاء من رداء لبوسها للفحل، الذي طالما رسمه إبداع خيال العاشقات ، فيظهر الجمال في أكمام الورد والقدّ ، لتُبدي من زينتها ما وهب الرحمن من فيضِ عطائه ، فيستقريء العقل جمال الصورة والألوان، ممّا لبست من أوراد ذات بهجة وأطياف شقائق النعمان ، فيسبح الخيال الأدبيّ في قراءة المعنى تيهاً وهياما، ليؤلّف دواوين من مطبوع الشعرٍ ،و آيات من الكتابة من عمالقة الكتّاب، فتتلقّفه الظنون من إبداعات التأويل ، والتفاسير وريب الشّك ، و طيوف الأحلام .
نزلت يوما بهذه الأرض ،وقد بدت في زينتها كما عهدت ، وزادني من ظمإ العشق وصبابة الوجد غــيبةٌ الزمان الذي حال بيني وبينها أيّام ، وكان بمصاحبتي شيخٌ يكنّ لي حبّا ،وأحترمه كثيرَ الاحترام ، ولمّا جُلنا بساحتها إذا بنبتة شِيحٍ يكاد ماؤها يتدفّق من برعمها لغضاضتها ، فترسل أريج عطرها الفوّاح يعبق الأرواح ، فقلعتها من جذورها – وكانت غايتي من ذلك العمل أن أجعل شيئا منها في فنجان قهوة لأنّي مدمنٌ شرابَها – وما دريت ما فعلتُ بتصرّفي هذا إلاّ حين نهرني صاحبي بصوت عالٍ، يحمل استهزاءً وسخرية ً وكأنّي قتلتُ نفساً زكيّة بغير حقّ : ماذا فعلت ؟ ، تبّا لهذه القهوة التي تستشري فسادا في الأرض ، أأنت أستاذ تربّي الأجيال ؟! ، وما عفا عنّي من إنزال التوبيخ ، وإلصاق التهمّ إلاّ حين قلتُ له : كم من حبّ يقتل الحبيب ، فقال : وما ذاك ؟ ، فقلت : ألم تقتل الأمّ رضيعَها فلذة كبدها حين تُخرجه من مهده فتضمّه إليها من حبّها إيّاه لترضعه ثديها ، فيغلبها النعاس فتنام عليه فترديه قتيلا ؟ ، فكذلك أنا ،استعجلني الهوى فقتلتها ، وإنّي لنادمٌ على ما فعلت ، فقال : لا تثريب يغفر الله لنا جميعا ومضينا في طريقنا .....
ع/ك/ه/ الكاتب والشاعر أحمد بلول المسعديّ / الجلفة / الجزائر 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال