تربية الجزاء / أحمد بلول
تربية الجزاء
إنّ مبدأ الجزاء بما يحمل الثواب والعقاب هو مبدأٌ تربويّ لا تقوم الحياة إلاّ به ، ولا يسعد بشرٌ ، ولا يهنأ له بالٌ، ولا يطمئنّ له جانبٌ إلاّ بتطبيق نظامه ، ونقصد بذلك القيمة الفعلية المساوية لإنجاز الفعل التطبيقيّ إنجازاً ، لا مقاصد ظنّية أو أقوالا ، وقد اهتدت العرب ُ قبل الإسلام إلى فاعليّة هذه المنهجيّة عن تجارب تربويّة في الحياة ، فكانت تقول: (القتل أنفى للقتل ) أي ما يمنع وقوع القتل إلاّ جزاء القتل ، وهو منهج إصلاحيّ لعمارة الأرض ، من حيث هو مبدأ العدالة إذْ يعاقِب المجرم على فعله لينتهي، أو يُثاب المجدّ على فعله ، ومن إقامة العدالة في الأرض بمبدأيْ الثواب ، والعقاب تتربّى النفوسُ فتصبح طيّعةً ليّنةً تقوم بوظيفتها عن رغبة تشبه الخوف ، أو خوفٍ يشبه الرغبة ، لتقام فروعُها من إحقاق حقّ، أو إبطال باطل ، من معاملة ، وإحسان، و نصيحة ، وزجر ، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وهي كلّها فروعٌ آتية من مبدأ العدالة ( الثواب والعقاب ) ، إنْ لم تكن آتية من فعل الجزاء بما يحمل من الثواب والعقاب ، ألا تلاحظ كم أخطأ ت الأمّ ، والأب ، عندما يمنحان طفليهما نفس الجائزة ،وأعمال الطفلين تختلفان في درجة الاستحقاق - مثلا - لنفس العمل؟ ، كم هو عملٌ فظيع اقترفت هذه الأمّ ، وهذا الأب وهما يظنّان أنّهما قد أحسنا صنعا ،وكذلك المسؤول ، و الأستاذ ، والمدير ، والقاضي ، إذا لم يكن عمل كلّ واحد منهم قائما على أساس العدل، فهو مدعاة للفساد وزرع الحقد ، والحسد في أوصال المجتمع ، فتتقطّع أوصاله وتفتكّ الروابط ، وتكثر الفتن ، وحتّى أنت مع الصديق، أو القريب ، أو حبيب لك ، إذا كانت معاملتك إيّاه غيرَ عادلة إذْ تسوّيه بمن هو أفضل منه شأنا في درجة الاستحقاق، كم من حماقة ارتكبت !، ومن جرمٍ قد ارتكبت في حقّك ، وحقّ هذا الصديق!
( وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ..) 179 البقرة
حــــــــــــــياة : ماهي هذه الحياة ؟ هي العدالة ً(القصاص) ، ومن هذا المَنشأ الأصل تنشأ السعادة ، التي هي الطمأنينة ، التي هي الأمن ، التي هي الشورى، التي هي المساواة على درجة الاستحقاق، التي هي ردّ المظالم ، التي هي إحقاق الحقّ ، التي هي إبطال الباطل ، التي هي الأمر بالمعروف ،و النهي عن المنكر و ....و............
أليست هذه هي الحياة التي تنشدها الفطرة السليمة، ويتمنّاها كلّ عاقل حكيم ، وكلّ ذي لبٍّ سليم ؟ .
من هذه التربية ، من هذه المنهجيّة ، من هذه التنشئة ،من هذا الغرس في تربية النفس ، تنشأ ثقافة المجتمع ، إنّ الحياة تقتضي النشأة كما تقتضي النهاية ، ونعني بالنشأة مرحلة النمو، والتكوين والصناعة، [..ثمّ خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثمّ أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ..] 14 المؤمنون/ ، لم يكن بمعجز على الله أنْ يخلق هذا الخلق بقوله :[كن فيكون..] ، ولكن اقتضت حكمته أن يتكوّن هذا الجنين في مراحل لما تقتضيه قدرات الأمّ التي أودعها في فطرتها لتستقبل هذا الجديد 1/* ، ثمّ تأتي مراحل هذا المولود من مرحلة إلى مرحلة ، [الله الذي خلقكم من ضعفٍ ثمّ جعل من بعد ضعفٍ قوّةً ثمّ جعل من بعد قوّة ضعفا وشيبا يخلق ما يشاء ..]54 الروم ، فالمرحلة الأولى كانت لزومية على هذه الأمّ أن يتغذّى هذا الجنين من غذائها عن طريق هذه المراحل لاستطاعتها لما يصيبها من وهن وضعف ، ولتتهيأ لهذا الجديد ولتوفّر الأسباب ، وبعد ولادته يكون أوّل ثوابٍ له نظير كفّه عن البكاء ، هو هذا اللبا أو هذا الحليب، ليحقق غايته من هذا الفعل (البكاء) ، فيسكت ثمّ يبدأ تكليف الأمّ بمسؤولية هذا المولود عبورا بمراحل التنشئة والتكوين، من تربية وعناية ، ورعاية حتّى يبلغ أشدّه ، وهذه التربية والتنشئة تقتضي الحكمة والتدبّر لما يتطلّبه الجانب الجسمي والنفسي عن طريق الثواب والعقاب ، ألم يكن اللّعاب للمادّة الشّهية استجابة لمثير فيزيولوجي ؟ ، وهو نوعٌ من استجابة لثواب أو عقاب ودليل هذه [الجزاء ] إفراز أو تغيّر في الألوان ؟ ، ألم يكن مدح الأمّ ، أو الأب ، أو الأستاذ ، أو قدحهم لهذا الطفل ثوابا وتحفيزا على هذا العمل ، أو تثبيطا وكبح نشاطه ،وإنّه لعملٌ تربويّ كبير؟ ..
ثمّ تأتي تنشئة أخرى تربوية ، من نوع آخر لنقول : إنّ كلّ ولادة جديدة تقتضي التربية ، فغرسُك الأشجارَ من فسيلة إلى شجرة ذات ثمار ، ماذا لو لم تُحِط بالرعاية لهذه الفسيلة ، من اختيار تربة وعناية ، وسقي ،وأسمدة حتّى تنمو فتبلغ ؟ يأتي النتاج من ثمار ،من ذوق ، من كمّ ،ومن مكوّناتٍ لقيمها الوظيفيّة مساوية لعملية الاختيار ، والرعاية ؟ .....ألم تكن هذه تربية من نوع آخر سلوكي ، عملي ، وظيفي، فعلي واضح للأعيان ؟ ، فكيف يطمح فلاّحٌ ، أو مزارعٌ ، أو تربويّ ،أو أب ، أو مسؤول أن تأتي نتائجُ زراعتِه ، أو طلبته ، أو أبنائه ، أو إدارته بمردود جيّد، وهو لم يؤدِّ إنجازَ الفعل بإتقان ..؟!
ع/ك/ه/ للكاتب والشاعر أحمد بلول المسعديّ / الجلفة / الجزائر
تعليقات
إرسال تعليق