أصداف و أجياف / السيال الأول / حسين أحمد سليم

أصداف وأجياف
السّيّال الأوّل
 بقلم: حسين أحمد سليم*
 
 صدفة قدريّة عاقلة موقوتة الزّمان والمكان, شاءت لها القدرة المتجلّية في بديع الصّنع, المترائية في وحدة الخلق, أن تكن شيئا مجرّدا أو ملموسا بأمر العظيم, فكانت كما شاء مودّة ورحمة, فعل التّواصل بين الجنسين الذّكر والأنثى, منذ بداية الخلق, بدءً بحوّاء أمّنا صاحبة الكيد العظيم حُبّا وعشقا, وآدم أبينا صاحب القلب الشّغوف وجدا وهياما...
 
 حياتنا بدأت علامة إستفهام كبرى, وعلامات من التّعجّب أكبر, تتبعها شرائط لا تنتهي من النّقاط... ومراحل من العمر المثقل بالرّؤى الإيمانيّة, على ذمّة من تناهى لقلوبهم الوحي السّمائي, شآبيب رحمات الله, مسارات خلاص لنا, رسائل حبّ وعشق للحياة, تكاليف منتظمة أتت في أوقاتها, وقطعت مساراتها في أطوار حقب الماضي, وطوت سجلاتها في أكوار مواقيت الأمس, لتتقمّص مرّة أخرى فلسفة فكريّة, تسنّ للفكر بنود قوانين النّظام في كلّ زمان ومكان...
 
 تلك عرائس الهدى, إيحاءات فعل الماضي, لتوكيد خصائص الحاضر, في إستشراق معالم المستقبل... نسائج رؤى إيحاءات التّفكّر بالوجود, توالدت من نسغ الحياة في نسمة الرّوح, تفتّقت من براعم النّفس كما الورود, تنامت في شغاف القلب كما تتنامى أكمام الأزهار, وأقامت سكناها في غياهب العقل...
 
 ميثاق العهد والوعد, نسمة إلهام خفيّة, تمسّخت في جوانب الحنايا تخيط دثائر الجوارح, تناسخت في مجاري الشّرايين تصنع قطرات الدّماء, تفاسخت في كنه فاعليّة النّماء تكوّن عناصر الخلايا, وتراسخت في منظومة كينونة الهيكل تروي ظمأ الفكر...
 
 تلك سيّالات نوارانيّة إشعاعيّة داهشيّة النّتائج, تتهادى إلينا أثيريّة رقيقة لطيفة شفيفة, من حيث لا يستطيع العقل إحتواءها, ولا تقوى الذّاكرة على حملها, ولا تتّسع الخيالات لتصوّرها, ولا القلب يقدر على تحليل عناصرها, ساح تطبيقاتها الجسد الحيّ, قبل أن يتحوّل رميما...
 
 جزيئات العناصر تراب من حمأ مسنون, موثّقة في سجلّ أبديّ لا تطاله يد التّلف, تراثيّ من حيث سمات بقايا الحضارت التي سادت ثم بادت, أسطوريّ من حيث الوقوف أمام صيرورته المذهلة, في متاهات هذا العصر المتشدّق عولمة تافهة, ومضة من بارقة أمل, رصّعت سماء الدّنيا بقوس من نور, تحكي سيرة التّواصل بين الأرض والسّماء...
 
 حكمة الخالق آية معجزة التّكوين, تداخل قطرات الرّذاذ بأشعّة النّور, تتجلّى بين الأفق والأفق, فكانت ألوان وألوان تصنع قوس الله, حزمة من أنوار تعطي الأشياء ألوانها, كما مثيلاتها في مطاوي الأيّام الخوالي, رسالة للذّكرى عل الذّكر نافعة لغلف القلب والعقل...
 
 في زمن التّنافخ زورًا وبهتانا بالغرور, نجتهد فلسفة خاصّة, على ذمّة إثبات الذّات بالذّات حتّى ولو جزافا, نفسّر مظاهر الألوان قياسيّا على شاكلتنا, نبدع كثيرا في تصميمها, ونجهد الفكر الفنّي في تفصيلها, ونبدع جنونا أكثر في أشكال خياطتها, لتأتي متوافقة متطابقة مع تطلّعاتنا النّفسيّة, المريضة حينا والمتمارضة أحيانا, نعلّلها بالوهم ونكذب عليها, ونسوق لها السّراب حقيقة مياه قراح في البعد ينتظرها, ونسمّي هرطقات أفعالنا علما عصريّا لا جدال فيه...
 
 نفسي المحبطة في هذا العالم الموبوء, التي تعيش القهر في الزّمان والمكان, تأنف الأشياء رفضا تاريخيّا, في واقع جغرافيا الذّل والمهانة, حيث الإنسلاخات المدمّاة, تقدّ بسكّين ما يسمّى منظومة الأمم, في وطني الممتد تحت حماية ووصاية أولي الأمر, وعبثيّات مجلس عنوانه الأمن الدّولي ومضمونه الإرهاب العالمي المنظّم , وتطبيق سياسة فرّق تسد, على أسس القاعدة الشّيطانيّة, إشاعة السّلام البريء منهم, ونهب ثرواتنا التي تكتنزها تربتنا, ويتّهموننا زورا وبهتانا بعوراتهم الحضاريّة...
 
 سيدتي المعشوقة من أبي الهائم وجدا آدم الأوّل, حوّاء جدّتي الكيديّة الحبّ في غرامها, رؤاي سيّالات محكومة بالحبّ الشّرقيّ الشّفيف, متوّجة بالعشق العربيّ العذريّ, تحملني على صهوتها الأثيريّة, وكأنّي الفارس الأوحد, الممتشق سيف الحرّيّة, قلم الرّأي الثّائر أبدا رفضا, لكلّ معالم ومطاوي ومظاهر وخفايا ومسارات وتدخّلات دول الإستعمار المسمّات عظمى أو كبرى وهي أضعف من خيط العنكبوت...
 
 بلدي, وطني, أمّتي, لغتي, حرفي الجمريّ اللاهب مكتنزا بكلّ النّيران الحارقة, القادم من جوف المتاهات, عبر رؤى الخيالات التّخاطريّة, ترود بي طوعا إراديّا البعد الآخر, في إمتدادات الأمر الواقع الجغرافيّ, تتراءى لي حقب الأمس, كأنّها شرائح مصوّرة اليوم, سيّالاتي تصرخ بي, أضعف الإيمان, قول كلمة حقّ في وجه سلطان جائر...
 كتبت من وحي الواقع المرير...

* كاتب إعلامي باحث و مهندس فنّان عربي لبناني من بلاد بعلبك.
رائد فلسفة تجاويد الفنون الأدبيّة والهندسيّة التّشكيليّة الدّوليّة.
رئيس تحرير جريدة التّواصل اللبناني الدّولي.
مدير عام دار الماضي والحاضر والمستقبل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال