الوعي والتحايل / خالد عبد الصمد

الــوعـي والتحــايـل.
فـي زمـن الفتـــن تنتشـــر الشــائعات بســرعة الضـــوء، منشــورات (مقــروءة او مرئيـــة) غامضـــة تتســـلل الـي العقــول، متضمنـــة حـديـث منســوب الـي الرســول صــلي الله عليـه وســلم، بـدون التحــقق مـن صــحته. بـل ويتـم اســقاط الحديــث عـلي واقعــة معاصــرة، دون ضــوابط او قـواعـد ســواء شــرعيه او منطقيـــة. اســتغلال التشــابه لمجــرد التشــابه هـو محــور المنشــورات الغامضـــة والاحاديــث النبــوية المكــذوبة.
الاحاديــث الصــحيحة نصــوص لا يجــوز اســـقاطها عـلي واقـــع، لمجــرد المحـــاكاة. المنطقـــي ان يتـم اســقاط الـواقـع عـلي الحديـــث، وفـق دراســـة وبحــث منهــجي ومنطــقي مكتمــل الاركــان، حــتي لا يتـم العبــث بمحتــوي ومضــمون الاحاديــث النبــوية الصــحيحة.
هــذه المنشــورات الغامضــة كالوميــض الغامــض (ضــوء خـادع)، يثيـــر الجـدل بيـن العـامـة والخاصـــة، ومـا هـو إلا اكــذوبة تخــدم اغــراض، سـياسـية او فكــرية او مذهبيــة.
كلمــات كـاذبـة تصــنع عاصــفة فـي وعـي العــامـة، تقصـــي الحقيقـــة وتعصـــف بالـوعـي الجمـعي. فيرتبـــك الـوعـي الفــردي فـي البحــث عـن الحقيقـــة وتقنينهــــا. فـي هـذا الضــجيج الممتــد والمـترامي الأطــراف، لابــد مـن وقفـــه ولابــد مـن الحـــذر. فليــس كـل منشــور صــحيح، وليــس كـل تـأويـل يعــني المحتــوي او المضــمون، فاحاديـــث الرســول صــلي الله عليـه وســلم، سـلسـلة مترابطــــة يفســـر بعضــها البعــض، ومـع الألمــام بهــا وحســن تـدبرهـا، يمكــن رســم صــورة واضــحة لتسـلسـل مضــمونها ومحتــواها. فهـي خوارزميـــة محكمـــة مغلقـــة عـلي نفســـها، مفتــاحيهـا بـداخلهـــا.
النبـــواءت الغيبيــــة لا يبنــي عليهـــا موقــف سـياسـي او فكــري. لـذا يجــب الحــذر مـن وجـود جهـــة خفيـــة، تعيـــد انتــاج نصــوص وتخــدع العـامـة انهــا منســوبة للاحاديــث النبــوية، لتخــدم افكــار معينـــة. فهنـــاك مـن يصــنع باتقـــان
نصــوص تبــدو كالشــرعية، والنصــوص الشــرعية بــراء منهـــا، وهــذا الغـامـض يعتمـــد عـلي أثــارة الفضـــول، لينتشـــر بيـن العـامـة بأقصــي ســرعة، دون تحــري العـامـة عـن المصـــادر. (خـداع العـامـة ومـن ليســـت لديهـم القــدرة عـلي المراجعـــة، فيتحـــول الكـذب الـي راي عــام، والبـاطـل الـي حقيقـــة افتراضـــية مســلم بهــا).
عنــدما تشــتد الازمـــات وتنتشـــر الفــتن والبـلايـــا، يبحـــث العـامـة عـن معــني لمـا يجــري حـولهــم (الاحــداث المتعــاقبة الغــير مفهــومة والغـير مــبررة). فيجـــد العـامـة فـي الاحاديــث الغيبيـــة بغــض النظـــر عـن صـــحتها، مـلاذا نفســـيا يبـــرر الاحــداث، ويخـــفف الصــدمات الناجمــة عنهــــا.
الاحاديــث المنســوبة زورا وكـذبـا الـي النـبي صــلي الله عليـه وســلم، ليســـت مجــرد ابتــداع نصــوص او تعـديلهــــا بالحـذف او الاضـــافة. انمـا هـي جريمــة دينيـــة عقــدية. ظـاهـرة تســييس النصــوص الدينيـــة للتبــرير والمعارضـــة. ظــاهـرة مرفوضـــة حـتي لا يتحــول الـدين الـي أداة للصــراع. هـذا بخــلاف ان اســقاط الاحاديـــث عـلي الـوقـائع قبــل تحققهـــا، مظنـــة خطـــا كــبير وفتنـــة عظيمـــة (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ. ســورة الأعـراف).
 
وقــد أمـرنـا الله ســبحانه وتعـالي بالتثبـــت والتحــقق قــبل النشـــر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. ســورة الحجــرات).
فالعــلم لا يـؤخـذ عـن صــاحب هــوي إليــه، وصــاحب دنيــا يطلبهــــا متناســي الآخــرة.
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. ســورة البقــرة.
مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. ســورة النســاء.
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. ســورة البقــرة 102.
صــناعة التضـليل الديـني، باســتغلال شــغف العـامـة بالفتــن والاكاذيـــب، لـه أثــار ســلبية عـلي الفــرد والمجتمـــع، وهـو دعــوة للغفـــلة والبعــد عـن الـوعـي والمنطـــق.
كــل مســلم مســئول امـام الله ســبحانه وتعـالي، عـن الكلمـة التـي يكتبهـــا او ينشــرها، ونشـــر الاكاذيـــب فتنـــة يجــب القضــاء عليهـــا فـي معــركة الـوعـي، وذلـك بكشـــف الـزيــف وأظهــار الحقيقـــة.
وأختتـم باحاديــث رســول الله صــلي الله عليـه وســلم، فيهـــا جــزاء مـن كـذب عـن الرســول الكـريم.
سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّ كَذِبًا عَلَيَّ ليسَ كَكَذِبٍ علَى أَحَدٍ، مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَن نِيحَ عليه يُعَذَّبُ بما نِيحَ عليه.
الــراوي: المغـيرة بـن شـعبة والمحـدث: البخــاري والمصــدر: صـحيح البخــاري وخلاصـة حكـم المحــدث: صــحيح.
لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فإنَّه مَن كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ.
الــراوي: عـلي بـن أبـي طالــب والمحـدث: البخــاري والمصــدر: صـحيح البخــاري وخلاصـة حكـم المحــدث: صــحيح.
مَن حَدَّثَ بحديثٍ، وهو يَرى أنَّه كَذِبٌ؛ فهو أحَدُ الكاذِبَيْنِ، وقال عبدُ الرَّحمنِ: فهو أحَدُ الكَذَّابينَ.
الـراوي: المغـيرة بـن شــعبة والمحــدث: شــعيب الأرنــاؤوط والمصــدر: تخـريج المسـند لشــعيب وخلاصــة حكــم المحــدث: صــحيح.
خـالـد عـبد الصــمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال