الوعي والفلسفة المتاهة (1) /خالد عبد الصمد
الـوعـي والفلســفة والمتــاهة (1).
الصــوت الـداخـلي أهـم مـن ضــجيج العـالـم، فـي هـذا الصــوت الكلمــات تتهــادي بيـن ظــلال الـوعـي. التفكــير يبــدأ عـندمـا يعــترف المـرء بجهــله، فمـن يجــرؤ عـلي الأعــتراف بـان مـا يعــرفه انـه لا يعــرف شـــيئا، فالعقــل ليـس أداة للجــدل، بـل مـرآة تعكـس الصــدق الـداخـلي حـتي وان كـان وهـم او ســراب. التفكــير الحـق هـو أعــتراف بالنقــص، وهـذا النقــص يجعــل وعـاء المعــرفة لا يضــيق بمـا فيــه، بـل يتســـع دومـا لأســتيعاب للمـزيـد والمـزيد. (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. ســورة الأســراء 85).
الشــك مـرآة اليقــين، واليقــين الراســـخ مـبني عـلي قـواعـد منطقيــة لا تهــتز بمجـرد الشـــك، بـل الشــك يـزيـد اليقــين يقينـــا، أمـا اليقــين المكــذوب "الظــن" يهــتز وينهــار عـند هــبوب ريـاح الشــك (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ. ســورة يونـس 36). عـند أزالـة الغبــار عـن الأفكــار واحـدة تلــو الآخــري، أمـا يــزداد اليقــين يقينـــا (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. ســورة الســجدة 24)، وأمـا ان يكشـــف عــوار اليقيــن المكــذوب (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. ســورة النسـاء 157).
نـور الأدراك يبــدأ مـن العقـــل اليقــظ والـواعـي (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة البقــرة). والعقــل وراءه ظــلال تتحـرك بصــمت محـاولـة لصــناعة القــرارات، فالنفـس منهــا الظـاهـر، ومنهـا المســتتر المحــرك للـدوافـع والرغبـــات والمخــاوف والشـــهوات (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا. ســورة الشـمس).
الـواعـي اليقــظ لا يرفـض اللاوعــي، بـل يتفـاهم ويتناقـش معـه بحيــادية (الوســطية)، وفـي حـالـة النـزاع او الاختــلاف، يتحــول الـوعـي الـي مجــرد راكـــب فـي مركــب يقــودة اللاوعــي الـي المجهـــول. العقــل أثنـاء النــوم يتحــرر مـن قيـود المنطــق، وينطــلق فـي متــاهة الـذاكـرة دون أذن مســبق مـن الـوعـي (الأنتقــال الـي عـالـم آخــر بـلا حــدود بيـن الماضـي والحاضــر والمســتقبل "يتلاشـي الزمكـان"، ولا يفــرق بيـن الخــوف والحقيقــة والرغبــة والشــهوة والنـزوة، فـي اللاوعــي الكـل ســواء "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. ســورة الـزمـر 42").
النفـس الأمـارة بالســوء تجعــل مـن العقــل مســاحة مليئـــة بالظــلال والتصــدعات، وبالتـالي لا يصــبح المـرء ســيد نفســه، بـل مزيجــا مـن وعـي يراقــب ولاوعـي يتحـدث مـن خلـف الســتار (وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ. ســورة الليـل). ومـن هنــا تأتـي الغـربـة عـن النفــس بـل والتمــرد عليهــا، ليكـون المـرء شـــظايا متفــرقة مـن هـويـة مضـــطربة (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ (126) وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ. ســورة طــه).
مـن هنــا خرجــت فكـرة أن المـرء لا يعــرف نفسـه، بـل صــار احيــانا ســجين وعيـه المتـوهـم، فصــار العقــل أصــواتا متنــازعة تســكن الجســد (صــوت الغـريـزة – صــوت الأخـلاق – صــوت الرغبــة – صــوت الخــوف)، كلهــا تتجـادل فـي غيـاهـب النفـس، فيعــلو فـي الصــمت ضــجيج صــامت يمزقهــا ويشــتتها، وفـي هـذا الضــجيج يتلاشــي التفكــير، ولـم يعـد الصــمت كافيــا للفهـم، وتـزداد التصــدعات حـد الأنهــيار (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ. ســورة النــور).
وهكــذا ينســجم العقــل مـع الفوضــي، ليصــبح العقــل أداة لصــناعة حقــائق مكـذوبة ومتوهمــة. وهكــذا يـدخـل العقـــل متــاهة الظــل والـوهـم ليســجل مت يناســب خيـاله "أهــوائه". لـذا فـي الفلســفة الحديثــة يقــول المفكــرون "ان الـوعـي ليـس عدســة شــفافة بـل مـرآة مشــوهة، فالـوعـي لا ينقــل الحقيقـــة بـل يصــنعها كنـا يصـنع الرســام لوحتــه، يمـزج الضــوء بالذاكـرة والحقيقــة بالحنــين، فالأنسـان يـري العـالـم كمـا هـو فـي داخـله".
وبالتـالي تحـول العقــل الـي كـائن يلــون الـواقـع بألـوانه الخاصــة، وهكــذا تتحــول الحقــائق الـي تأويــلات.
أكتفــي بهــذا القــدر ونكمـل فـي الجـزء القـادم أن شــاء الله تبـارك وتعـالي.
خـالـد عـبد الصــمد.
تعليقات
إرسال تعليق