الوعي و الوصايا و الإختلاف و الأهواء (4 و الأخير) / خالد عبد الصمد
الـوعي والوصـايا والاختـلاف والأهـواء (4 والأخـير).
قـال الله سـبحانه وتعـالي فـي سـورة الأنعـام:-
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
هـذه الآيـة تعـني عـدم مصـادرة العقـول، وفـرض معـاني ومفاهـيم ومضـامين، دون تـدبر وترتيـل الكتـاب وفـق النصـوص القرآنيـة بشـكل شـمولي. المعـني التوضـيحي لكلمـة مسـلم فـي هـذه الآيـة، دون تحـزب أو تشـيع أو تفـرق عـن الإسـلام الشـمولي والجـامع (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ. سـورة الحـج 78).
القـرآن الكـريم هـو مـن وضـع المنهـج العلمـي لدراسـته وبيـان إعجـازة وتماسـك سـبكه وقـوة نسـيجه، لمـن صـدق بـه ومـن لـم يصـدق بـه مـن العالميـن. القـرآن الكـريم هـو مـن الطـريق لفهمـه دون تلـويث أو ألحـاد فـي المعـاني.
الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. سـورة يوسـف.
الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. سـورة هـود 1.
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
(196) أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. سـورة الشـعراء.
ولكـي يتـم تـأويل الآيـات، لابـد مـن فهـم قـواعـد اللسـان العـربي، فكتـاب الله سـبحانه وتعـالي مكتـفي ذاتيــا (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. سـورة المـائدة 3).
القـرآن الكـريم ثابـث النصـوص حـتي لا يحـدث التبـاس بيـن النـاس، رسـالة السـماء ثابتـة، ومـا جـاء عـن الصـحيح مـن أحاديـث الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم، مـا هـي إلا توضـيح لمـا قـد يلتبـس عـلي النـاس مـن معـاني أو مفاهـيم، الرسـالة نزلـت عـلي الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم، والرسـول حولهـا مـن منهـج نظـري إلـي واقـع عمـلي.
قـال الله سـبحانه وتعـالي فـي سـورة النحـل:
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (89) ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. سـورة النحـل.
ففـي الكتـاب تبيـان كـل شـئ، بـدءا مـن "ِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ"، وعـدم الاختـلاف فـي الـدين أمـر واجـب النفـاذ، بعـد توضـيح وتثبيـت أركـانه وقـواعده. تبيـان الكتـاب مـن الكتــاب وقـال الله سـبحانه وتعـالي:
وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. سـورة النحـل 64.
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. سـورة القـيامة.
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. سـورة الأنعـام.
وقـد أنـزل الله سـبحانه وتعـالي عـلي الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم الكتـاب والحكمـة، والحكمـة فـي القـدرة التـدبر والترتيـل ووضـع الأمـور فـي نصـابها.
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا. سـورة النسـاء 113.
ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا. سـورة الأسـراء 39.
الكتــاب أمـر بأتبـاع مـا جـاء فيـه مفصـلا، وفـق اللسـان العـربي المـبين، والكتـاب تبيـان لنفسـه بنفسـه، وتفصـيل لنفسـه بنفسـه. وعـلي كل راسـخ فـي العـلم أن يتـدبر مـا جـاء فـي الرسـالة، ليحـول مضـامين الرسـالة إلـي واقـع عمـلي، متـوافق مـع المنهـج والتكلــيف، والزمـان والمكـان والظـروف، فالكتـاب صـالح تمـام الصـلاح لكـل زمـان ومكـان حـتي قيـام السـاعة.
النصـوص القرآنيـة واضـحة وثابتـة، لا نقـاش ولا جـدال فيهـا، أمـا مـن يلحـدون يفـرغون النصـوص مـن مضـمونها، هـم يبتغـون الفتنـة والتفـريق، وعـلي سـبيل المثـال نصـوص القـرآن لا ترتبـط بمـا يسـمي أسـباب النـزول، أو الأخـذ بالإسـرائيليات لتوضـيح المعـاني أو المضـامين. القـرآن الكـريم نـزل دفعـة واحـدة دون الحـاجة لأسـباب النـزول، الله سـبحانه وتعـالي هـو العليـم الحكـيم الخـبير.
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (7) لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. سـورة الدخـان.
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. سـورة القـدر.
المعـاني فـي الكتـاب بنيـت عـلي التوسـع فـي المعـني، طالمـا المعـني لا يخـرج عـن المنهـج والتكلـيف (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة ص 29)، وهـذا التوسـع فـي المعـني مـراد يجـب الأخـذ بـه فـي المضـامين اللأزمـة للتـأويل. والنصـوص جـاءت مكتمـلة وعـلي سـبيل المثـال قـول الله سـبحانه وتعـالي (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. سـورة النحـل)، فالعـلاقة بيـن مـا أوحـي بـه الله سـبحانه وتعـالي إلـي نبيـه إبراهـيم، ومـا أوحـي بـه إلـي نبيـه محمـد صـلي الله عليـه وسـلم واضـحة، لا تحتـاج إلـي تفسـير أو تـأويل. كتـب أصـول الفقـة كـافة تقطـع أخبـار الأحـاد أنهـا لا تفيـد العلـم القطـعي اليقـيني، أنمـا تفـيد الظـن، لـذا يجـب التـأكد ممـا ورد فـي الأحـاد مـن العـلم القطعـي اليقيـني فـي الكتـاب.
النـزاع والمنـاظرات لا تفيـد، لقـد نهـي الله سـبحانه وتعـالي عـن التحـزب والشـيع والفـرقة نهيـا قطعيــا، حـتي لا تضـيع المعـاني والمضـامين فـي الرسـالة الخاتمـة، فتفسـد النـاس ويفسـد المجتمعـات.
الـواعي والعـاقل مـن يـدرك أن الخـلاص، فـي الانتقـال مـن مجتمـع الرغبـات إلـي مجتمـع الواجبــات، ومـن عقليـة القطـيع المسـتهلك، إلـي عقليـة الخليفـة الراصـد للسـنن والفطـرة، ومـن يخالـف السـنن عليـه أنتظـار الجـزاء (فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ. سـورة الحـج 45).
الخـروج مـن التيـه ليـس قـرارا عاطفيــا أو تمنيـات قلبيــة، وللتحـول مـن عنصـر عشـوائي فـي قطـيع إلـي لبنـة بنـاء فـي نظـام كـوني وأجتمـاعي، لابـد مـن الانتقــال مـن مرحـلة الناسـية إلـي التوحـيد والإيمـان واليقـين. وهـذا لا يتـأتي إلا برفـض الوهـم، والاتصـال المباشـر بالله سـبحانه وتعـالي رب العرش العظـيم. المكـرم عنـد الله سـبحانه وتعـالي هـو مـن أتقـي الله سـبحانه وتعـالي حـق تقـاته (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ. سـورة الحجـرات 13)، لا عنصـرية ولا عرقيـة فـي المكـرم، ومـن يتـقي الله سـبحانه وتعـالي هـو الأكـثر رصـدا للحقـائق والسـنن، والمكـرم هـو الأكـثر قـدرة عـلي تحـويل الطـاقة الخـام إلـي حيـاة ونظـام مبـني عـلي المنهـج والتكلـيف. العـاقل الـواعي مـن يتجـنب أن يكـون وقـودا للنـار بجهـله، بـل يسـعي أن يكـون نـور يضـئ عتمـة نفسـه، ويضـئ لمـن حـوله طـريق الهـداية والرشـاد.
الـدين مشـروع ضـخم ينظـم المجتمعـات ويهـذب السـلوك البشـري، المقـارنة الشـكلية للمعتقـدات سـواء رسـائل سـماوية أو أفكـار وضــعية مـا هـو إلا هـراء. بـؤرة الإيمـان فـي التوحـيد أولا ومـن بعـدها يـأتي اليقـين الـذي يتبعـه الالتـزام.
التوحـيد خضـوع غـير مشـروط، فالله سـبحانه وتعـالي أعطـي الجمـيع العطـاء الـربوبي، شـرط الأخـذ بالأسـباب سـواء مـن المنكـر أو مـن المـؤمن، الكـل سـواء فـي العطـاء الـربوبي، فمـن خـلق كفيـل بمـن خلقـه. أمـا الإيمـان يتبعـه العطـاء الإلهـي فـي الجـزاء سـواء فـي الدنيــا أو الآخـرة. فـي التوحـيد تحصـين الإيمـان ضـد الظـروف والأزمـات، فمـا هـي إلا اختبـارات تقـوي الإيمـان لا تضـعفه بـل تـزيده رســوخا.
النـاس كلمـة مـاذا تعـني فـي عصـرنا الحـالي، وهـو العصـر الـذي تتبـدل فيـه الكلمـات، بمصـطلحات لأخفـاء حقيقـة مـا، وفـي تقـديري أن النـاس صـارت مـا يسـمي القطـيع. ومـن معـاني كلمـة النـاس مـن الجـذر اللغـوي للكلمـة، الحـركة والاضـطراب والفعـل ومنهـا النسـيان (وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا. سـورة طـه 115)، والنسـيان هنـا هـو الغفـلة والاضـطراب "لحظـة ضـلال". مـع تـرك الأمـر والنسـيان تذهـب التقــوي وتتـواري. وفـي آخـر سـورة مـن القـرآن الكـريم 114، أســمها سـورة النـاس، وذكـر فيهـا كلمـة النـاس خمـس مـرات.
كلمـة النـاس ليســت نـداء عـام مجـرد للبشــر، لكـن تحـذير وتنبيـة لخـروج القطـيع مـن الغفـلة، إلـي يقظـة الـوعي فـي الفطـرة السـليمة، التـي فطـر الله سـبحانه وتعـالي الإنسـان عليهــا.
فـي النـاس الفوضـي والاضـطراب، وهـي الخطـوات الأولـي للتيـه الجمـاعي، والسـير العشـوائي بلا مشـروع أو هـدف أو غـاية مقصـودة. مـع تـرك الرسـالة السـماوية والابتعــاد عنهـا، يتـم السـقوط فـي حـالـة مـن العشـوائية المطلقـة، التـي تفسـد مشـروع الاسـتخلاف العظـيم.
مـع فقـدان المشـروع والهـدف والغـاية، البعـض يسـعي خلـف الاقتصـاد، والبعـض الآخـر يسـعي خلـف الحـروب والنـازعات، والبعـض الآخـر خـلف السـراب بـلا رؤيـة مسـتقبلية، تحكـم المسـار بعـيدا عـن العشـوائية (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ. سـورة النـور 39).
العشـوائية ليسـت دينـا، بـل تدمـير لوظـيفة الإنسـان فـي الخـلافة. مشـروع أبليـس هـو هـدم التوحــيد، وتحـويل الإنسـان إلـي مسـتهلك للـوهـم، بينمـا سـنة الله سـبحانه وتعـالي بالتـرابط والأنـدماج، لعمـارة الأرض وحفـظ المجتمعـات والأسـر والأفـراد (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ. سـورة الحجـرات 13).
وأخـيرا إن أحسـنت فمـن توفيـق الله سـبحانه وتعـالي وإن أخطـأت فمـن نفسـي والشـيطان.
خـالـد عـبد الصـمد.
تعليقات
إرسال تعليق