الوعي و الخمر و الميسر / خالد عبد الصمد
الـوعـي والخمــر والميســر.
قـال الله تبـارك وتعـالي (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة ص 29)، القـرآن الكـريـم يحتـوي عـلي التوســع فـي المعنـي، وعـلي ســبيل المثـال يـؤتـي بتعــبير يحتمـل أكـثر مـن معــني، وهـذه المعـاني كلهـا مـراده فـي كتـاب الله. مفهـوم التوســع لـه أســباب ودواعـي لكـي يتـدبر الجميـع، وفـق علـومه المتـاحة بمـا لا يتعـارض مـع المنهـج والتكلــيف (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ. سـورة القمـر 22).
فـي تـدبر وتـأمـل كتـاب الله سـبحانه وتعـالي، نتلمـس أنـواره ونسـتجلي حكمـته، ونقـف عـند دقـة الـتي لا يأتيهـا البـاطل (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ. ســورة فصــلت).
كلمـات الله تبـارك وتعـالي وضـعت بمـيزان دقـيق، لتـؤدي المعـاني والمفاهـيم والمضـامين المـراده دون غـيرها.
وفـي هـذا النـص محـاولة تـدبرية حـول مفهـوم الخمـر والميسـر فـي القـرآن الكـريم والصـحيح مـن الأحاديـث النبـوية. المـراد الإلهـي شـمولي وعـام، ولا يحـوز حصـر تـأويـل النـص فـي المعـني السـائد للميسـر دون الارتبـاط بالخمـر، السـياق القـرآني دائمـا يفهـم منـه المعـاني الشـمولية دون المحـدودية فـي النـص، فالقـرآن الكـريم لكـل زمـان ومكـان وليـس مقصـور عـلي حقبـة زمنيـة دون غـيرها.
كلمـة الخمــر، الأصــل اللغــوي مـن الجــذر "خ م ر" ويعـني السـتر والتغطيـة. ويحمـل المعـنى الأسـاسـي للتغطيـة أو السـتر، ومـن هنـا جـاء تسـمية الشـراب المسـكر "خمــرًا" لأنـه يغطـي العقـل ويسـتر الإدراك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا. سـورة النسـاء 43)، وخمـار المـرأة لأنـه يغطـي رأسـها وصـدرها، وتسـمى الأشـجار الملتفـة فـي الـوادي بخمــر لأنهـا تسـتر المكـان، لـذا الكلمـة تـدور حـول معنـى السـتر والتغطيـة والحجـب.
الجـذر اللغـوي لكلمـة سـكاري مـن الجـذر الثـلاثي (س ك ر)، والمعـني العـام نقيـض الـوعي، وأختـلاط العقـل وفقـدان الـوعـي. والسـكر قـد يكـون نتيجـة تنـاول مـائع، أو مـادة صـلبة وهـي مـا قـد يـؤثر عـلي ما يسـمي بجـذع الدمـاغ، وتحـديدا النظـام الشـبكي التنشـيطي، وهـو أسـاس اليقظـة العـامة ويتضـح ذلـك مـن قـول الله سـبحانه وتعـالي (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. سـورة البقـرة 275). الشـيطان كـائـن طـاقي يؤثـر عـلي الإنسـان عـبر موجـات تردديـة، وفـي هـذا المـس ذهـاب للـوعي والأدراك وكـأن الإنسـان يوشـك عـلي الجنـون "وكـأن الشـيطان يصـرع الإنسـان بالجنـون". ويتضـح ذلـك مـن الجـذر اللغـوي لكلمـة يتخبطـه، مـن الجـذر الثـلاثي (خ ب ط)، وتعـني الوقـوع فـي الفوضـي والعشـوائية أو الأصـابة بالجنـون وفسـاد الفطـرة. ويؤكـد المعـني كلمـة المـس وهـي مـن الجـذر الثـلاثي (م س س)، وهـي دلالـة عـلي الأصـابة والملاقــاة (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. سـورة البقـرة 214).
كلمـة الميسـر، الجـذر اللغــوي هـو "ي س ر"، وتـأتي الكلمـة باشــتقاقاتها لتشـير إلـى معـاني متعـددة مثـل السـهولة واليسـر، أو السـهولة والليــن، فالميسـرهـو الشـيء المسـهل أو المهيــأ.
السـائد عـن الميسـر هـو القمـار، لكـن هـذا مفهـوم محـدود للمعـني دون الشـمولية فـي المعـني أو المـراد. أقتـران الخمـر والميسـر مـن المؤكـد ان هنـاك عـلاقـة وثيقــة لمـا يذهـب الـوعـي، قيتخبـط المـرء بيـن الـواقع والخيـال والأوهـام والشـهوات والغـرائز وغـيرها.
وقـد ورد الخمـر والميسـر مقـترنين فـي كتـاب الله سـبحانه وتعـالي فـي الآيـات التاليــة.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. ســورة البقـرة 219.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. سـورة المـائـدة 90.
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ. سـورة المـائـدة 91.
الشـيطان يـوقـع العـداوة والبغضـاء فـي الخمـر والميسـر، وهـذا عنـد غيـاب الـوعـي والتخبـط بيـن الضـلال والتمنيـة فـي مشـروع الشـيطان (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا. سـورة النسـاء 119).
وجـاء الاقتـران فـي حديـث رسـول الله صـلي الله عليـه وسـلم.
إنَّ اللهَ حَرَّمَ على أُمَّتي الخمرَ ، و المَيْسِرَ ، و المَزْرَ ، و الكُوبَةَ ، و الغُبَيْرَاءَ ، و زَادَنِي صلاةَ الوترِ
الراوي : عبدالله بن عمرو | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع وخلاصة حكم المحدث : صحيح
وفـي هـذا الحديـث نهـي الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم عـن كـل ما يغيـب العقـل، فكـل ما يختمـر مـن الفاكهـة، وقـد عـدد أصـنافها كالمـزر وهـو شـراب يصنـع مـن الشـعير، والكـوبة مـا يتـم تنـاوله فـي الأقـداح بـدون عـروة "الأقـداح"، والغبيـراء وهـو نـوع مـن الخمـر يصـنع مـن الـذرة ويسـكي السـكركة، وفـي هـذا دلالـة ان كـل شـراب او شـئ مصـنع ويـؤكـل، ويذهـب بالعقـل فقـد حـرمه الله سـبحانه وتعـالي ونهـي عنـه. لـذا كـل ما يطلـق عليـه الآن المشـروبات الروحيـة، وفيهـا علـة الإسـكار، الحكـم مرتبـط بالعـلة وجـودا فهـو منهـي عنـه.
لـذا الخمـر أرتبـط بالصـناعة ويتضـح ذلـك فـي قـول الله سـبحانه وتعـالي " وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. سـورة يوسـف 36"، وكذلـك فـي قـول الله سـبحانه وتعـالي "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ســورة النـور 31". فخمـورهن صـناعة وليسـت من الطـبيعة بشـكل ميسـر، فخمـورهن مـن القمـاش والقمـاش صـناعة، وكذلـك نوعيـات القمـاش سـواء مـن الأقطـان او الحـرير او الأصـواف جميعهـا صـانعة.
ويتضـح ذلـك فـي أحاديـث الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم.
أتاني جِبْرِيلُ عليه السلامُ فقال: يا محمَّدُ، إنَّ اللهَ لعَنَ الخمرَ، وعاصِرَها، ومعتصِرَها، وشاربَها، وحاملَها، والمحمولةَ إليه، وبائعَها، ومبتاعَها، وساقيَها، ومستقاها.
الراوي: عبـد الله بـن عبـاس والمحـدث: محمـد بن محمـد الغـزي والمصـدر: إتقـان ما يحسـن وخلاصـة حكـم المحـدث: إسـناده صـحيح.
سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَخْطُبُ بالمَدِينَةِ، قالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بالخَمْرِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا، فمَن كانَ عِنْدَهُ منها شَيءٌ، فَلْيَبِعْهُ، وَلْيَنْتَفِعْ به، قالَ: فَما لَبِثْنَا إلَّا يَسِيرًا حتَّى قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الخَمْرَ، فمَن أَدْرَكَتْهُ هذِه الآيَةُ وَعِنْدَهُ منها شَيءٌ، فلا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ. قالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بما كانَ عِنْدَهُ منها في طَرِيقِ المَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا.
الـراوي: أبـو سـعيد الخـدري والمحـدث: مسـلم والمصـدر: صـحيح مسـلم وخلاصـة حكـم المحـدث: صـحيح.
وفـي حديـث الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم، يتضـح عنـدما يســتر العقــل يقتـرف المـرء الأخطـاء الجسـام، لعـدم الأدراك.
لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فيها أبْصارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُها وهو مُؤْمِنٌ. وعَنْ سَعِيدٍ، وأَبِي سَلَمَةَ، عن أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِثْلَهُ إلَّا النُّهْبَةَ.
الـراوي: أبـو هـريـرة والمحـدث: البخـاري والمصـدر: صـحيح البخـاري وخلاصـة حكـم المحـدث: صـحيح.
المشـاع والمتـداول بيـن العـامة ان الخمـر هـو الشـراب المسـكر، والميسـر هـو القمـار.
الخمـر ليـس أسـم للسـائل المسـكر وحسـب، بـل يشـمل صـناعة السـائل أو ما يتـم تنـاوله مـن مـواد خـام، والخلاصـة ان الخمـر صـناعة، تحتـاج الـي صـناعة وجهـد ومعالجـة وتخمـير، لتخـرج المـادة الخـام الحـلال عـن طبيعتهـا الأصـلية. والخمـر صـناعة بيـد الإنسـان مـن نتـاج الأرض، والخمـر رجـس مـن عمـل الشـيطان فـي الصـد عـن ذكـر الله رب العالميـن وعـن الصـلاة، ولهـذا كـان الأمـر واضـح بالاجتبـاب، وعـدم الأقتـراب مـن هـذه الآفـة.
اما الميسـر هـو خمـر دون صـناعة او تحـويل، وهـو المتيسـر فـي الطـبيعة ومـوجود دون عنـاء الصنـاعة والتحـويل. لـذا أقتـرانه بالخمـر هـو متـمم ومكمـل للمعـني لكـل مـا يذهـب الـوعي ويغيـب العقـل سـواء صـناعة او في الطـبيعة. وهكـذا أحـاط القـرآن الكـريم والتفصـيل فـي أحاديـث الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم، بشـكل شـمولي كـل أصـناف المذهبـات بالعقـل، العـلة واحـدة والأثـر واحـد وهـو ذهـاب العقـل والغفـلة عـن الله رب العالميـن.
وجـاء تحـريم القمـار بشـكل شـمولي فـي الآيـة القرآنيـة التـي تخـص المعـاملات الماليـة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. سـورة النسـاء 29)، القمـار ليـس تجـارة، وليـس فيـه تبـادل منـافع، بـل هـو أكـل للمـال بالبـاطـل، حيـث يـأخذ أحـد الطرفـين مـال الآخـر دون مقـابل ودون رضــا، الأخـذ بالمغالبـة والحـظ وليـس مقـابل البيـع والشـراء.
وعـن تحـريم الرشـوة وأخـذ أمـوال الغـير بالبـاطل ودون وجـه حـق، قـال الله سـبحانه وتعـالي.
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. ســورة البقــرة 188.
الرشـوة والقمـار داخـل منظـومة التحـريم فـي المعـاملات الماليـة الفاسـدة، ولا حـاجة لذكـر كلمـة القمـار او الرشـوة ليسـتقيم المعـني، وقـد قـال الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم فـي الرشـوة.
لعنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الرَّاشي والمُرتَشي.
الـراوي: عبـد الله بن عمـرو والمحـدث: الألبـاني والمصـدر: صـحيح الترمـذي وخلاصـة حكـم المحـدث: صـحيح.
ومـن مـا سـبق يتضـح المفهـوم الشـمولي للخمـر والنيسـر محـددا فـي سـياق الذهـن والعقـل، امـا سـياق المـال والعـدالة مـع أكـل الأمـوال بالبـاطل.
امـا عـن خمـر الجنـة كمـا جــاء فـي سـورة محمـد (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ. ســورة محمــد 15).
خمـر الجنـة لـذة للشـاربين، وهنـا يجـب التوقـف كـثيرا عـند كلمـة أنهــار، فمـن معانيهـا اللغـوية الضـياء والوفـرة والسـعة، فأنهـار الخمـر ليسـت تقليـدية كمـا هـو مـدرك للعقـل البشـري المحـدود، كمـا أنهـا لـذه للشـاربين للاسـتمتاع الطعـم والمـذاق دون الحـاجة الـي أزهـاق الـوعـي. خمـر الجنـة صـناعة إلهيـة خلقهـا الله خلقـا، لـذا هـو منـزه عـن صـفات خمـر الدنيــا. وقـد يتضـج ذلـك بجـلاء فـي قـول الله تبـارك وتعـالي (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ. سـورة الواقعـة). مشـروب الجنـة خـالي مـن الرجـس الشـيطاني، بـل ويجعـل المـرء فـي قمـة الـوعـي والسـعادة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ. ســورة هـود 108).
لـذا أجتبــاب الخمـر والميســر لـم يكـن فـي لفـظ حـرم عليـكم، بـل اســتخدام لفـظ أبـلغ وأشـد وهـو فأجتبــوة. والأجتبـاب فـي اللغـة يعـني حـتي عـدم الأقتــراب مـن الأصـل أو مقـدماته ولا مجالسـه.
فالشـيطان يســتدرج المـرء خطـوة بخطـوة، فالقليـل يجـر الكـثير، والتجـربة تجـر الأدمـان، والعاقبـة هـي الهـلاك والخسـران المبيـن، وقـال الله سـبحانه وتعـالي فـي ذلـك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ســورة النـور 21).
وأمـوال النـاس وحقـوقهم محفـوظة بتحـريم أكلهـا بالبـاطل، تحـت أي مسـمي سـواء قمـارا أو رشــوة أو غشـــا، فالديـن كفـل الحمـاية الأجتمـاعية بحفـظ المـال، ليكـون المجتمـع طـاهـر ونقـي ومترابـط ومتيقـظ، موصـول بالله سـبحانه وتعـالي دائمـا وأبـدا.
ان كنـت قـد أصــبت فمـن الله سـبحانه وتعـالي وأن أخطــأت فمـن نفسـي والشـيطان.
خـالـد عـبد الصـمد.
تعليقات
إرسال تعليق