الممنوع المباح / د. محسن الرديني

الممنوع المباح قصة قصيرة. .                                                   
د. محسن الرديني.                  
كانت السيدة فكتوريا، أم كريستين، موظفة حكومية شابة في نهاية عقدها العشريني، ذات سمعة طيبة، وأرملة؛ إذ توفي زوجها، والد كريستين، في حادث سير بعد ولادة ابنته بقليل.
كان الشاب عبد الحميد، الموظف في الدائرة ذاتها التي تعمل بها السيدة فكتوريا، يرغب في الارتباط بها بعد أن رأى فيها الالتزام والعفاف، وعزة النفس، وقوة الشخصية، والاحترام، وحسن السمعة والسلوك. فتقدّم لخطبتها، لكن اختلاف الديانة حال دون إتمام الأمر في البداية.
لم ترفض فكتوريا الزواج، بل اشترطت أن يكون زواجًا كنسيًا أولًا، ثم زواجًا مدنيًا، في حين رأى عبد الحميد ذلك مستحيلًا. ونتيجة لإصرارها على موقفها، اقترح أن يكون عقد الزواج في الكنيسة، لكن وفق الصيغة الإسلامية الصحيحة من إيجاب وقبول، وشاهدين مسلمين، ومهر معلن، لتجنّب الشبهات المتعلقة بصحة العقد من الناحية الشرعية.
وبعد مشاورات مع الكنيسة والمراجع الإسلامية، جرى الاتفاق على عقد القِران مدنيًا أمام القاضي، ضمانًا للحقوق المتبادلة رسميًا. تزوجا وأنجبا ثلاثة صبيان وبنتًا، أصبحوا إخوة لكريستين من أمها، وكانوا يشبهونها كثيرًا، ولا سيما أختها سارة.
كان لكريستين ثلاثة أبناء عم، أكبرهم سنًا لويس، الذي كان قريبًا منها في العمر، يبادلها المشاعر والعاطفة والتطلّع، وكانا منسجمين فكريًا وروحيًا. طلب لويس يد كريستين من زوج أمها السيد عبد الحميد، بوصفه وليّ أمرها المباشر، فلم يمانع، لكنه اشترط موافقة أمها السيدة فكتوريا أولًا.
غير أن فكتوريا رفضت الطلب بشدة؛ إذ كانت تعتقد أن الزواج من ابن العم محرّم لأسباب دينية، مع أن الديانة المسيحية لا تشير صراحة في الكتاب المقدس إلى هذا التحريم. إلا أن بعض الطوائف الكنسية تبرر منع الزواج بين الأقارب لأسباب عدة، منها القرابة الدموية، حيث تمنع قوانين الكنيسة الزواج بين الأقارب في الخط المستقيم (الأب والابن)، والخط المنحرف (أبناء العم والخال) حتى الدرجة الرابعة في بعض الكنائس، وتعدّ الزواج باطلًا. وهناك جانب روحي كذلك، إذ يُنظر إلى الزواج كمؤسسة مقدسة، والزواج من الأقارب يُعد أحيانًا تضييقًا للنسب بدل توسيعه.
حاول لويس إقناع الأم بشتى الوسائل بصحة موقفه وشرعية طلبه، وأكد امتلاكه الأدلة الكافية، حتى إنه أبدى استعداده للحصول على تفسيح (إعفاء) من قداسة البابا شخصيًا إن لزم الأمر، لكنها أصرت على الرفض. عندها طلب منها زوجها السيد عبد الحميد توضيح أسباب هذا الموقف المتشدد.
شرحت فكتوريا وجهة نظرها الدينية قائلة إن الحكمة من تحريم الزواج بين أبناء العم تشبه الحكمة في تحريم الزواج بين الإخوة، أو أبناء الأخ والأخت، أو العمة والخالة. فهذه الحرمة، كما هي في الإسلام أيضًا، تهدف إلى توقير الرحم، أي جعل هذه العلاقات محترمة ومقدسة، بعيدة عن الشهوة والعبث، وصون الأعراض، ومنع الشبهات والفساد الأخلاقي، والحفاظ على النسيج الأسري والمجتمعي. ووفق تصورها، فإن العلاقة بين أبناء العم علاقة أبوية أو أمومية، ومنع الزواج يحفظها من الفساد ويصون المروءة.
وأمام هذا الرفض المستمر، لجأ لويس إلى توسيط السيد عبد الحميد وأولاده المسلمين لمساعدته في إقناعها. كان أحمد، أخو كريستين من أبيها، متحمسًا لهذه الزيجة، وله أصدقاء مسيحيون كثر، من بينهم لويس، فاقترح عليهم مقابلة أحد القساوسة للاستفهام حول هذه المعضلة.
وفي خضم هذه النقاشات، طلبت أخت عبد الحميد يد ابنته سارة لابنها محمد، من دون علمها بموقف السيدة فكتوريا من زواج أبناء الأقارب. فثار غضب فكتوريا مجددًا، ورأت في ذلك تحديًا ومؤامرة ضدها، فرفضت الطلب بشدة، وطلبت من زوجها عدم إعادة مناقشة الأمر مستقبلًا.
حاول عبد الحميد تهدئتها ومناقشة الأمر بروية، مؤكدًا أن الموضوع بسيط ولا يستدعي كل هذا الغضب والتعصب، فالنقاش في الحلال والحرام مشروع، والزواج غير مخالف للأديان، وبإمكانها الاطلاع على النصوص والتعاليم والشروط المتعلقة بمثل هذا الزواج، سواء في الكنيسة أم في المذاهب الإسلامية التي تشجع على زواج الأباعد من دون تحريم زواج أبناء العم والخال.
بدأت السيدة فكتوريا تقرأ كثيرًا، وتطلع على كل ما يخص زواج أبناء الأقارب في العقيدتين الإسلامية والمسيحية، ومن مختلف المصادر، ولا سيما شروط الاستثناء عند الكاثوليك. وبعد قراءات متواصلة واطلاع عميق على أصول الدين وفروعه، وخصوصًا باب التحريم، تولّدت لديها قناعة كاملة بوجوب الموافقة.
وافقت أخيرًا على زواج ربي كريستين وسارة من ابن العم وابن العمة، بعد أن ألّفت كتابًا ضخمًا عن الزواج الممنوع في جميع الأديان، حمل عنوان: "الممنوع المباح في حالات الزواج غير المتاح"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال