نتوارى / كامل عبد الحسين الكعبي / العراق / بغداد

نَتَوارىٰ
الزمنُ شاهدٌ غيرُ موثوق
واليقينُ تَرَفٌ لا نملكه
ثَمَّةَ ما يدعونا للغياب
إذا صارَ الشكُّ أرضاً والظنُّ سماءً
سَنَتَوارىٰ في جملةٍ
لا تعرفها الجغرافيا
ولَمْ يستقصِها التأريخ
تتركُ الفاعلَ معلّقاً
والمفعولَ ينزفُ المعنىٰ
سنتوارىٰ حيثُ لا أسماء للأشياء
حيثُ السكينُ فكرةٌ
الجرحُ ذاكرةٌ
واليدُ التي تُلوِّحُ
هي ذاتُها التي تُدفن
سنتوارىٰ في ردهةٍ
تخلَّىٰ عنها الزمنُ
تكدّسَتْ فيها ساعاتٌ معطوبةٌ
تدقُّ بلا صوتٍ
وتقيسُ المسافةَ بيننا بالغياب
سنتوارىٰ في حربٍ
لا خرائط لها
جنودُها الأسئلةُ
وخسائرُها تلكَ الأجوبةُ
التي عادتْ سالمةً أكثر مما ينبغي
سنتوارىٰ في وطنٍ
يُخبّئُ حدودَهُ في صدره
ويتركُ نشيدَهُ يتسوَّلُ
علىٰ أفواهِ الغرباء
فتكبرُ البلادُ ويصغَرُ الانتماء
سنتوارىٰ في مدرسةٍ
تعلِّمُ الصمْتَ تهجئةَ الفقد
وتكافِئُ الناجينَ بعطبِ الذاكرة
فيجلسُ الطابورُ فينا إلىٰ الأبد
سنتوارىٰ في بحرٍ
نسيَ اسمَهُ الأوَّلَ
فصارَ كُلُّ موجٍ
محاولةً فاشلةً للعودة
وكُلُّ غريقٍ درساً متأخِّراً في الطفو
سنتوارىٰ قرب منارةٍ
تُجيدُ الكذبَ
تدلُّ السفنَ
لا تنقذُ أحداً
وتكتفي بأنْ تبدُو مضيئة
سنتوارىٰ في خيمةٍ
من دمعةٍ مؤجَّلَةٍ
نقتسمُ ظلّها
كَمَنْ يقتسمُ الذنبَ
دونَ أنْ يعرفَ الجريمة
سنتوارىٰ حينَ نخلعُ الليلَ عن أزراره
نُعيدُ للنافذةِ حقَّها في الصراخ
ونعاتبُ القمرَ لأنَّهُ يشبهنا
يضيءُ ولا يذهب
سنتوارىٰ لا في اللقاء
بَلْ في ما يتسرّب منه
في الرجفةِ التي تسبقُ الاسم
وفي الاسمِ حينَ يعجزُ عن حملنا
سنتوارىٰ كما تفعل الظِلالُ
حينَ تتقنُ الأشياءُ وقوفَها وحدها
سنتوارىٰ ليتعلّمَ المكانُ نُطقَ نفسه
بلا استعانةٍ بأسمائنا
وبلا ارتباكِ الذاكرة
سنتوارىٰ فتستقيمُ الزاويةُ
يهدأ الضجيجُ
وتكفّ التفاصيلُ
عن التوسّلِ إلىٰ عينٍ تراها
سنتوارىٰ فقطْ عندما نكتشفُ
أنَّ شحوبَ البدايةِ
هو أكثر أشكالِ الحضورِ صدقاً
سنتوارىٰ لا لأنَّ الغيابَ بطولةٌ
بَلْ لأنَّ الحضورَ كان زيادةً عن اللزوم .
كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي
  العِراقُ _ بَغْدادُ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال