الوعي والإشارات /خالد عبد الصمد
الـوعـي والإشـــارات (2).
الإنسـان قـد يكـون محـاط بالنـاس، ومـع ذلـك يشـعر بالـوحـدة. لأن الوحـدة الحقيقيــة ليســت غيـاب الآخـرين، بـل غيـاب الفهـم وغيــاب التواصـل الحقيقــي، وهنــاك اغتــراب آخـر وهـو عـدم التصـالح مـع النفـس، وهـذا الاغــتراب أشـد وطـأة عـلي النفـس. المظـاهر الخارجيـة خـادعـة وســطحية، والبحـث فـي الماورائيــات يـرهق النفـس، وقـد يدفعهـــا إلـي أتبـاع الهـوي، ألـم الغـربة ليـس مجـرد ألـم، وعـلي الـواعي والعـاقل أن يسـتخدمه أداة للفهـم، وعليـه أن يبحـث فـي العمـق ليفهـم نفسـه، ليقتــرب مـن الله ســبحانه وتعــالي، لينتقــل مـن الظلمـات إلـي النــور، لتتحـول المعـاناة مـن عبــأ ثقيـــل، إلـي مفتـاح يفتـح أبـواب جـديدة مـن الـوعـي، بعـيدا عـن التـوتر فـي الرغبــة بالانتمـاء والرغبـة فـي الانفصــال.
الألـم الـداخـلي لا يـراه النـاس، لكنـه يعـيش فـي أعمـاق النفـس، وهـو ما يشـكل نظـرة الإنسـان إلـي نفسـه وإلـي مـن حـوله. الاغــتراب ليـس إحسـاس، لكنـه حـالـة وجـودية يعيشـها الإنسـان، فـي كـل تفاصـيل حيــاته، فالاغــتراب ليـس شــعور عـابر، إنمـا عدســة لـرؤية كـل شــئ، وهكـذا يتحـول مـن فكـرة فلسـفية مجـردة إلـي حقيقــة يوميــة، تمنـع اختـلاط الفـراغ بالامتـلاء، وهـذا ما يقــلل الصـراع الدائـم بيـن الرغبــة فـي التعــبير، والخـوف مـن عـدم الفهــم، فتسـود حـالـة مـن الصــمت الغـير مفهــوم والغـير مبــرر. الألـم النـابع مـن الـداخـل لا يـراه النـاس، لـذا لا يتعـاطف معـه أحـد، فالجـرح الداخـلي صــامت وغامـض، وقـد لا يفهـمه حـتي صـاحبه. ومـن هنـا يتضـح أن الألـم معـلم قاســي، لكنـه صــادق، ومـع الألـم يضـطر الإنسـان إلـي التوقــف، وإعـادة النظــر فـي كـل شـئ ســواء حـولـه أو داخــله.
معـاناة الألـم ليســت نهـاية الطـريق بـل بدايتــه، والعـاقـل هـو مـن يحـول ذلـك مـن قـوة هـدم إلـي قــوة بنــاء، وهـذا يحتــاج صــبر وتـأمـل مـع النفـس. الاغتــراب أمـا يقــود الإنســان إلـي اليـأس، إذا اسـتسـلم لـه ولـم يفهـمه، وأمـا أن يقـوده إلـي النـور إذا اسـتخدمه كوسـيلة للبحـث والتـأمل والتـدبر. مـن أصـابة اليـأس ســقط، ومـن تـدبر نهــض وأرتقــي. فأمـا أن يبـقي الإنســان أسـير مشـاعره فيضــل، وأمـا يـزداد تـأملـه لفهـم العـالم مـن حـوله فيـوقظ وعيـه مـن ســبات الغفـلة. بـداية التحــرر تـأتي مـن المعـاناة، وهنـا يبـدأ التحـول الحقيقــي، فـلم يعــد الإنسـان ســجينا داخـل شــعوره، بـل أصـبح قـادرا عـلي قــراءة مـا حـوله، وأكـثر اكتشــاف للمعـاني التي كانـت خفيـه عنـه مـن قبـــل. فلا ينظــر مثـلا للكـون ككتـلة صــامتة مـن المـوجودات، بـل يـراه كتــابا مفتــوحا مليئــا بالآيــات والـدلالات والإشــارات، وكـل شـئ فيـه يحمـل معـاني لمـن أراد أن يتـأمـل. وهـذا يجعــل الإنســان فـي حـالـة مـن اليقظــة الدائمــة، فـلم يعـد يـري الأشــياء كعـادات يوميـة متكــررة، بـل آيـات متجــددة تـدعـو إلـي التفكــير والتـأمل، فالكـل يعمـل وفـق نظــام كـامـل وحكمـة عميقـــة. وهـنا يتمـاهي الأنسـان مـع الكـون فهـو جـزء مـن هـذا النظـام الكـبير، فيشــعر بالطمأنيـنة للثقـة فـي أن هنــاك معـني وراء كـل ما يحـدث. رؤيـة الطـريق إلـي الله سـبحانه وتعـالي، تبـدأ مـن التـأمل بجانــب العبــادات الظـاهرة، فالكـون كـله يـدل عـلي خالقــه، وكلمـا أزداد الإنســان تأمـلا أزداد قـربا. والتـأمل لا يغـني عـن العبـادة، بـل يحييـها ويمنحهــا عمقـــا، العبــادة مـع التـأمل حضــورا حقيقــيا مـع الله ســبحانه وتعــالي. رحـلة التـأمل لا تنتـهي لأنهـا مرتبطــة بنمــو الإنسـان نفسـه، وكلمـا أزداد وعيــا أزداد فهمـــا لمـا يــراه. الحقيقــة تحتـاج إلـي عــين تــري "البصــر"، وعـين تفهــم وقلــب يشــعر "البصــيرة". العـلاقة بيـن الـرحـلة الطـويلة مـع أعمـاق النفـس، وبيـن الكـون ودلالاتـه، تقــود إلـي الاقــتراب مـن الله سـبحانه وتعـالي، ومـن هنــا يـوقن الإنسـان أن العـلاقة مـع الله سـبحانه وتعـالي ليســت موســمية أو وقتيــة، بـل عـلاقـة مسـتمرة فـي كـل لحظــة، فـي الضـعف كمـا فـي القــوة، وفـي الحـيرة كمـا فـي اليقيـــن، وفـي الســقوط كمـا فـي النهــوض، فالله سـبحانه وتعـالي ليـس ببعــيد (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. سـورة البقـرة 186). وعـندما ينقطــع الإنسـان عـن الله ســبحانه وتعـالي، لا يفقــد الصـلة فقــط، بـل يفقــد المعـني فيصــير بلا هـويـة، كـل شـئ فـي الحيــاة يصــبح فـارغـا، فكـل نجـاح يفقــد قيمتــه، وكـل متعــة تصــبح مؤقتــة، وكـل ألـم يصــبح بلا تفســـير (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ. ســورة طـه)، أمـا القريــب إلـي الله ســبحانه وتعـالي هـو الأكــثر صــدقا وإخلاصــا فـي توجهـــه.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
تعليقات
إرسال تعليق