الوعي والعلم والكم (1)/خالد عبد الصمد
الـوعـي والعــلم والكـم (1).
تـدبر كلمـات الله سـبحانه وتعـالي فـي الآيــات التـي ورد فيهــا كلمـة ذرة.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا. سـورة النسـاء 40.
وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. سـورة يونـس 61.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. سـورة سـبأ 3.
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ. سـورة سـبأ 22.
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. سـورة الـزلزلـة.
مثقـال الـذرة تـم تقنينـه فـي العـلوم الحديثــة، لكنـه مـوجود بكـافة تفاصــيله فـي عـلم الله ســبحانه وتعـالي، فـي كتــاب مبيــن. والـذرة وردت مرتبطـة كليـا وجزئيــا بالســماء والأرض، وكلاهمـا بنــاء أنصــاع طواعيــة لله ســبحانه وتعـالي (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. سـورة فصـلت 11). البنيـة الأسـاسـية لتكـوين وبنـاء المـواد والأشــياء هـي الـذرات، وعملهــا عـند الله ســبحانه وتعـالي (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ. سـورة القمـر 49)، الـذرة هـي بـدايـة الشــيئية، والله ســبحانه وتعـالي خـالق كـل شــئ وفـق أرادتـه ومشــيئتة ومـراده (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. سـورة الـزمـر).
اكتشــفت الـذرة علميــا عـلي يـد العـالم جـون دالتــون، فـي أوائــل القـرن التاسـع عشــر (1803م)، وقـد وضــع أول نظــرية علميــة لبنيــة الـذرة، وقـد وصــفها بأنهـا جســيمات صــلبة غـير قابلـة للانقســام. فـي 1897م اكتشــف جوزيـف جـون طومسـون الإلكــترون، وأثبــت أن الـذرة ليسـت جســيم صــلب لا يمكـن أن تتجــزأ. فـي 1911م اكتشــف إرنســت رذرفــورد النـواة المـركـزية المـوجبــة، واضــعا نمـوذجا أوليـا للـذرة. وفـي 1913م طـور نيـلز بـور نمـوذجا، يفســر دوران الإلكـترونات فـي مـدارات محـددة. فـي 1932م اكتشــف جيمـس شــادويك النيــوترون، وبهـذا الكشــف أكتمــل فهـم مكـونات النـواة.
جـون دالتـون وضـع نظـريته الـذريـة وبـدأ بتحـديد كتـلة ذريـة نسـبية للعنـاصـر، لكنـه لـم يتمكــن مـن قيـاس الـوزن الـذري بـدقـة، فكانــت مجـرد تقـديرات نسـبية. وكـان أول قيـاس مباشــر باسـتخدام الكـتلة الـذرية الفعليــة، جوزيـف جـون طومسـون قـام بتجـارب عـلي الأيـونات، ولحـق بـه فـرانز ويليـام اسـتون مسـتخدما مطيـاف الكتـلة لتحـديد الكـتلة الـذرية بـدقة عاليــة، وقـد حصـل عـلي أول قائمـة دقيقــة للكتـل الذريـة للعناصــر، وذلـك فـي الفتــرة 1913 – 1919م.
القــرآن الكـريم منـذ 1450 ســنة أعـلن بوضـوح أن للـذرة كتـلة، وهـي الـوحـدة الأوليــة لقيــاس الجــزاء، فتبــارك الله أحسـن الخالقــين (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا. ســورة النسـاء 124 - أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا. سـورة النسـاء 49). فتيــلا ونقيــرا لمجـرد التقـريب لمـا ملمـوس أو محسـوس مـاديا.
العــلوم كـافة سـواء الفيـزيائية أو الطبيـة أو الكيميـائية تنـاولت المكـون البشـري كمـادة قابـلة للدراسـة والتـأويل وفـق تجـارب علميـة موثقـة ومثبتــه، وتجاهلــت المكـون الأسـاسي للإنسـان وغـيره مـن المخـلوقـات وهـي الـذرة، يتـم التعـامل عـلي ســبيل المثـال مـع الإنسـان عـلي أنـه مخـلوق صــلب، لكنـه فـي الحقيقـــة مخـلوق مـائي التكــوين. الـوعـي والمكـونات الإنسـانية بمـا فيهـا مـن جـوارح "المشـاعر والاحاسـيس"، خاضــغة لتواصــل مـع الكـون والملكــوت، وهـي خاضـعة لســنن وفطــرة خـارج حـدود القوانيــن المكتشـفة (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. الأسـراء 85). حيــاة الأنسـان وكـافة المخـلوقات مرتبطـة بقوانيــن غـير مكتشــفة وغـير مـدركـة، وجميعهــا مـبني عـلي التواصــل مـع أمـر الله ســبحانه وتعـالي (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. ســورة الأنعــام 59). الله ســبحانه وتعـالي خـلق فقـدر فهـدي (إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا. سـورة طـه 98)، وبتـدبر وتـأمـل كلمـات الله ســبحانه وتعـالي، يتضــح أن الكـون ومـن فيـه بشــكل كـامـل خاضــع لمـا نسـميه الآن فيـزياء الكـم.
ميكانيكــا الكـم هـي فــرع مـن فــروع الفيزيــاء يدرس سـلوك المـادة والطــاقة عـلى المســتوى الـذري وتحـت الــذري، وتختــلف قوانيــن الكـم عـن الفيــزياء الكلاســيكية الـتي تصـف الأجسـام الكبيــرة كوحـدة واحـدة. وهـذه النظــرية تفســر كيـف تتصــرف الجسـيمات الصــغيرة مثـل الإلكتـرونات، البروتونـات، والفـوتونـات، والتي هـي البنيـة الأسـاسـية للشـيئية، وتصـف خصـائصها مثـل الموضــع والطـاقة والزخــم بطريقـة تعتمــد عـلى الاحتمـالات أكثـر مـن اليقيـن المطــلق، وهـذا هـو مبـدأ التخـيير فـي الإنسـان ووعيــه، فالإنسـان هـو مـن يفــرز الخـواطـر فيقبــل هـذا ويرفـض هـذا وفـق الاحتمـالات، لمحـاولة الوصـول إلـي الصـلاح وتزكيـة النفـس أو العكـس (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ. سـورة ق - وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا. سـورة الشـمس).
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خـالــد عــبد الصـــمد.
تعليقات
إرسال تعليق