كامو بين عبث الفلسفة وعبث التاريخ / إبراهيم عثمان
كامو بين عبث الفلسفة وعبث التاريخ: حين يُمنع السؤال وتُصادَر الكونية
في مدينةٍ الدرعان التي تُطلّ على وادي سيبوس، كأنها تُطلّ على سؤالٍ لا ينتهي، وُلد ألبير كامو، لا كحادثة بيولوجية عابرة، بل كإشكالٍ فلسفيٍّ سيظلّ معلقًا بين ضفّتين: ضفّة الانتماء وضفّة المعنى. لم يكن ابن المكان بقدر ما كان ابن المفارقة؛ مفارقة أن يولد الإنسان داخل أرضٍ لا تعترف به بالكامل، وأن يحبّها دون أن يفهم تاريخها، وأن يكتب عنها دون أن ينصت إلى جرحها العميق.
في تلك المدينة التي تلتفّ حولها الأساطير الشعبية وتُحرس ببركة الأولياء، حيث يتجاور المقدّس مع اليومي، والذاكرة مع الصمت، نشأ وعيٌ ثقافيٌّ يرى في كامو مرآةً مشروخة: نصفها يعكس ضوء المتوسط، ونصفها الآخر يحجب ظلّ الثورة. لم يكن الاهتمام به مجرد احتفاءٍ بكاتبٍ عالمي، بل كان محاولةً لفهم عقدةٍ وجودية: كيف يمكن لفيلسوف العبث أن يقف مترددًا أمام عبثٍ تاريخيٍّ بحجم الاستعمار؟
إن السؤال الذي طارد مثقفي تلك البلدة ليس سؤالًا أكاديميًا باردًا، بل هو سؤالٌ وجوديٌّ حارق: هل كان كامو شاهدًا أم شريكًا؟ هل كان ضميرًا أخلاقيًا أم ضميرًا معلقًا؟ إن رفض اللجنةٍ العلميةٍ لجامعة السربون لموضوعٍ الطالب عبد الغني شريط حول موقفه من الثورة الجزائرية ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو إعلانٌ ضمني بأن بعض الأسئلة لا تزال محرّمة، وأن بعض الجراح لم تُسمح لها بعد أن تتحول إلى معرفة.
وهنا يبدأ الانفجار الكوني للفكر: حين تتحول الجامعة، المفترض أن تكون فضاءً للحرية، إلى جهازٍ لإعادة إنتاج الصمت. وحين يُطلب من الباحث أن يختار موضوعًا آخر، فإن ما يُطلب منه في العمق ليس تغيير الموضوع، بل تغيير زاوية الرؤية، أي التخلّي عن السؤال الخطير: سؤال العدالة.
كامو، الذي كتب عن العبث والتمرد، وجد نفسه أمام عبثٍ من نوعٍ آخر: عبث التاريخ الاستعماري. لكنه، بدل أن يذهب بالتمرد إلى نهايته، توقّف عند حافة إنسانويةٍ مرتبكة، إنسانوية ترى الألم لكنها تخشى تسمية الجلاد. وهنا تكمن المأساة الكبرى: أن يتحول الفكر إلى ملاذٍ أخلاقيٍّ جميل، لكنه عاجز عن اتخاذ موقفٍ حاسم حين يكون الموقف ضرورةً وجودية.
إن ما حدث مع ذلك الطالب ليس حادثةً فردية، بل هو تجلٍّ لبنيةٍ معرفيةٍ أوسع، بنية تخاف من تفكيك الرموز حين تكون هذه الرموز محاطة بهالةٍ كونية. فكامو، في الوعي الغربي، ليس مجرد كاتب، بل هو أيقونة. وأي محاولة لقراءته من خارج هذا الإطار تُعتبر تهديدًا للنظام الرمزي الذي يحميه.
لكن الفكر الحقيقي لا يعترف بالمقدسات الثقافية. الفكر الحقيقي هو ذلك الذي يجرؤ على مساءلة حتى أكثر الأسماء لمعانًا. فأن نكتب عن كامو من داخل جرح الجزائر، يعني أن نعيد ترتيب العلاقة بين الفلسفة والتاريخ، بين الجمال والألم، بين النص والدم.
وهنا تتجلى المفارقة الأعظم: أن كامو، الذي أراد أن يكون صوت الإنسان الكوني، بقي أسير إنسانٍ جزئيٍّ، إنسانٍ لم يستطع أن يرى أن الكونية الحقيقية لا تُبنى على الحياد، بل على الانحياز للعدالة. الكونية ليست أن نحب الجميع بشكلٍ مجرّد، بل أن نكون قادرين على تسمية الظلم حين نراه، حتى لو كان هذا الظلم جزءًا من عالمنا الخاص.
في تلك المدينة، حيث لا تزال الأمواج تهمس بأسرار المتوسط، وحيث يختلط التاريخ بالأسطورة، يبقى كامو سؤالًا مفتوحًا، لا إجابةً جاهزة. ويبقى ذلك الطالب، الذي مُنع من كتابة رسالته، شاهدًا على أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الاستعمار السياسي، بل مع الاستعمار المعرفي الذي يحدد لنا ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز.
إن اللحظة التي يُمنع فيها سؤالٌ من أن يُطرح، هي اللحظة التي يصبح فيها الفكر ضرورةً ثورية. لأن الفكر، في جوهره، ليس ترفًا، بل هو فعل مقاومة. مقاومة ضد النسيان، ضد التبسيط، ضد تحويل التاريخ إلى حكايةٍ مريحة.
ومن هنا، فإن كامو لا ينبغي أن يُقرأ ككاتبٍ فرنسي فقط، ولا كابنٍ ضائعٍ للجزائر، بل كاختبارٍ للفكر نفسه: هل نحن قادرون على أن نكون أكثر شجاعةً منه؟ هل نحن قادرون على أن نذهب بالتمرد إلى نهايته، حيث لا تبقى سوى الحقيقة، عاريةً، قاسية، لكنها حرة؟
في النهاية، ليست القضية كامو، بل نحن. نحن الذين نعيد إنتاجه، أو نعيد تفكيكه. نحن الذين نختار أن نصمت، أو أن نكتب. نحن الذين نقرر إن كان الفكر سيبقى زينةً ثقافية، أم سيتحوّل إلى قوةٍ كونية تعيد تشكيل العالم.
ابراهيم عثمان الجزائر
تعليقات
إرسال تعليق