أفضل وقت لكتابة قصة /عبد الرحيم الشويلي
"أفضل وقت لكتابة قصة هو عند غسل المواعين."
أجاثا كريستي
قصة قصيرة
الكون في حوض الصحون...!!.
كانَ الحوضُ يَهْمِسُ لهُ كلَّ يومٍ، وكلُّ طبقٍ يغسِلهِ كَأَنَّهُ سرٌّ كونيٌّ صغيرٌ. الرغوةُ ترتَفِعُ كَغُيومٍ متقطِّعةٍ، تَلتَقطُ الذِّكرَيَاتِ القديمةَ، الوَعْدَ الذي تَهَشَّمَ، وَحتّى العُقولَ التي لَم تُولَدْ بعدُ. لم يَكُن مُجرَّدَ غَسلِ الصحونِ، بَل كانَ يُراقِبُ الكونَ يَتراقَصُ بينَ الأصابعِ المبلَّلَةِ.
كُلُّ ملعقةٍ، كُلُّ كوبٍ، يَتَحوَّلُ فجأةً إلى شخصيّةٍ: زوجتُهُ السابقةُ، صديقُهُ الذي ماتَ قبلَ أن يَشرَبَ قَهوتَهُ الأخيرةَ، قطةٌ هَجَرَتْها الدنيا بلا سببٍ. بِحَركةِ يَدٍ واحدةٍ، تَتَشَكَّلُ قصصٌ لَم تَخرُجْ من قَلَمٍ أو وَرَقٍ، بَل من الماءِ الذي يَنسابُ إلى مجرى الصرفِ بلا كللٍ.
ضحكَ. ليسَ من المزحةِ، بَل من إدراكِهِ أنّه أصبحَ كاتبًا عظيمًا بلا قُرّاءَ، حيثُ الحوضُ هو المكتبُ، الإسفنجةُ هي القلمُ، والطبقُ المغسولُ الفصلُ الأخيرُ. في هذهِ الطقوسِ اليوميةِ، اكتَشَفَ أنّ الوجودَ كلُّهُ مُجرَّدُ رغوةِ صابونٍ عابِرَةٍ، وأنَّ كلَّ قصةٍ عظيمةٍ تولَدُ حينَ تَتَساقَطُ القطراتُ على بلاطِ المطبخِ، لا في مقهىٍ فاخرٍ ولا مكتبٍ مُضاءٍ بخيوطٍ ذهبيةٍ.
وعندما غَسَلَ آخرَ طبقٍ، أدركَ الحقيقةَ السخيفةَ تمامًا: الأفكارُ لا تأتي حينَ تَبحثُ عنها، بَل حينَ تَتَعامَلُ مع صحنٍ قذرٍ. العالمُ ضخمٌ، لَكِنَّهُ في المطبخِ صغيرٌ بما يَكفي لتُكشِفَ لكَ عَبَثِيّةَ كلِّ شيءٍ، بما يَكفي لتكتبَ، بما يَكفي لتضحكَ، بما يَكفي لتفهمَ أنّ الحياةَ كلُّها… غَسيلُ مواعينَ مُتواصِلٌ....!!.
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
6.ابريل.نيسان.2026م.
تعليقات
إرسال تعليق