مدينة الجماجم/عصام الدين محمد

 مدينة الجماجم

مر اليوم كأي يوم، أتعتقد أنه ولى؟

ألم تشهد غروب الشمس؟ وحلول الليل البهيم، ليل يحمل بين جنباته الكوابيس والترويع، أحداث النهار كانت مزدحمة ومرتبكة، سفر وعودة، مدينة الجماجم والنساء منزوعة الأبواب، شغل الحراس الضجيج، فانزلقت بالطرقات هاربا، الشوارع بالغة الضيق، تظللها أوراق الأشجار الوارفة، من حارة لزقاق والناس لا وجود لهم، الأسفلت يفح صهدا، ما الذي رماني لهذا الهم؟

وكأنك تبحث عن المجهول، ياعم أنقب عن جمجمة كانت في يوم مضى تركب رأسي.

رأسي التي لا تراها الآن فوق رقبتي، بترها سيف ماض منذ عام، تدحرجت؛ بحثت عنها بأناملي، فلم أجدها.

فكرت في شراء عينين، ولكن أين أضعهما؟

اقترح صاحب الحانوت أن يركبهما فوق صدري؛ ما بين الثديين، ولكنني اكتشفت أن التكلفة باهظة، والنتائج غير مضمونة مئة بالمئة، سألني القلب مناجيا:

ما حاجتك إليهما؟

لأعثر على جمجمتي.

ثم ماذا؟

ترى الأسفلت.

أليس ما تقوله جنونا؟

ألا تملك خيالا؟

ألا تزرعون ورودا؟

ألم تر زهور الأسمنت؟

بصراحة دعك من العينين.

خلاص لنزرع لك أذنين.

أتحسس الخطى ،أصطدم بالمقهى الوحيد، أتموضع جوار الباب، صخب الجماجم يتفاقم، لا أدري يقينا إن كانوا يلعبون أم يتعاركون، أخشى على بقيتي الانهيار والتلاشى، يحيق بي الرعب، فأهرب متجنبا الإلتفات للخلف، أبتعد، يتعطر الجو، أعيا وقبل أن أتهاوى، تسندني يد رقيفة، تحيطني بذراعيها البضين، لا تتأفف من هيئتي دون رأس.

تعال عندي ما تريد.

أريد جمجمتي.

أتعبتك سنوات وسنوات وتبحث عنها، ما هذه البلادة؟

يزيح ذراعيها، يقتعد الأرص، ينهشه جسده الموجوع، شرع في تمسيد شعر رأسه، ولكنه تذكر_في اللحظة الأخيرة_إنه لا بملك رأسا، لا يدرك يقينا أهو دودة عملاقة؟ أم هو حيوان فريد في تكوينه؟

فقد أشياء لا حصر لها منذ هروب الجمجمة، سنوات العمر الفائتة هربت، لا ذكريات ولا غيره، كل المشاهد انطفئت، خرس الصوت، حتى طنين الشوارع غرب، ضاعت الشهادات، أهذا ما يسمى بحياة البرزخ؟

أنسبت أن الجسد لم يمت، مازلت تلبسه، ويتوق لاسترداد جمجمته.

تسحبني من يدي؛ لأنهض، وأتبعها، أتخبط في أشياء كثيرة، أود سؤالها:

ماذا تريدين مني؟

لساني مقطوع، مبتور، فعليك السير فيها دون هواجس أو مخاوف، وفي ركن مدبق بالعفن والديدان، تقعد وتشدني لأجلس، ينقضي وقت طويل قبل أن تضع شيئا ما فوق رقبتي، وبمسلة الخيط تغزل ما بينهما، ها هو الضوء يعود رويدا رويدا، والأصوات تتضح نبراتها، أحرك لساني بلاوعي، أدير عيني في محجريهما، يدوران، الوشيش يزداد صخبه، ها.. ها..، وضحت هيئتها، جميلة وندبة وشعرها سبائك حرير، فأسأل:

من أنت؟

.........

كم عمرك؟

.....

أهم بالهجوم عليها، تشير بأناملها تجاهي؛ فأقف متصلبا،

عصام الدين محمد أحمد


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال