هل أدركنا قيمة التربيةربعد..؟/ محمود محمد أسد

هل أدركْنا قيمة التربية بعد..؟  
هناك من يقرأ العنوان، ثمّ يقول : المكتوب معروفٌ من عنوانه. وهذا صحيح لحدٍّ بعيد، ولمَ لا يكون ذلك ؟ وهناك من يتريّثُ , ويتدبّرُ ثمّ يقول : لقد شبعنا من هذا الكلام المكرّر والمعاد بألف صيغة وصيغة . وكأنّنا لا نعرف ما يقال ..
وهذا صحيح ، وقول مقبول، ومع ذلك أقول : ولمَ لا يكون ذلك ؟ 
وهناك آخر سوف يتلفَّتُ، وكأنّ أحدا يراقبه، ويتصيّد خطواته وكلماته وسرعان ما يهمس بأذنه قبل أذني : وأين دور التربيّة ؟ وما دور وزارة التربية التي حملت على عاتقها هذا الاسم الكبير بكلّ دلالاته ، ومعانيه؟ وإنّه لَيحمِّلها على عاتقها عبئا ثقيلا. وبدوري أكرّر وأقول : هذا صحيح. ولمَ لا يكون الحديث في هذا الأمر على المستوى الرفيع والجاد ؟ 
يا أخوتي ؛ وأنتم تدرون ، ولا يُشكّ بمعرفتكم وقناعاتِكم بما تحمله التربية من قيم ومثل ، تبقى الجدار الواقي، وتبقى الحصنَ المنيع ، وتبقى السبيل الوحيد الذي يوصلنا إلى الأمان والاستقرار عندما تدلهمّ الحياة، وتتراكم المصائب. 
هذا حالُ أمّةٍ بُعثّ نبيُّها ليتمّم مكارم الأخلاق، جاءت رسالات الأنبياء فوق ثراها لنزع الشّرّ ووأد الأذى ، جاءت لتنشر الخير والأمان، وتتعاضد مع الحقّ في سبيل إخماد الشّرّ وما يجرّه من ويلات، وما يزرعه من ويلات. وهذا حال شعبٍ من المفروض أن يتبنّى الأخلاق الحميدة، وأن يتوقّف مليّا أمام بيت أحمد شوقي: 
             وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهمْ ذهبوا 
أتصوّرك قائلاً وأنت تبتسم : هذا رجلٌ مولع بموضوعات الإنشاء المدرسيّة التي عايشناها في مدارسنا، ونلنا من ورائها ما نلناه . وكان يكتبها الأهل لنا ، أو ننقلها من كتب الموضوعات الجاهزة. نعم أُكبر فيك ذاكرتَكَ، وأقدّر فيك مروءتَك وصدقك مع نفسك إذ توقّفْتَ مليّا مقارنا بين أخلاقنا في زمن ما وأخلاقنا الآن ، وأترك لك الجواب . ولا باس من الاستعانة بالكراريس القديمة إن وُجدتْ. لترى مغزى وعمقَ وأهميّة الإنشاء في حينه. وأظنّ أنّني قد فتّقتُ أذهان المعلمين والمدرّسين القدامى وهم يقرؤون هذا الكلام.
نعم ؛ نحن أحوج ما نكون إلى إعادة تأهيلنا التربوي والأخلاقي ، ولا حاجة لدفن رؤوسنا في الرّمل. أزمتنا الحاليّة خلقيّة بالدرجة الأولى. أزمة انتشر وباؤها في مختلف مناحي الحياة ،تراها حيثما ذهبتَ، وحيثما نظرْتَ، وحيثما حللْت. تراها في مداخل الأبنية و الحافلات والمدارس وعيادات الأطباء والقصر العدلي وأمام المساجد والمسارح والملاعب والحدائق ولكم أن تكملوا الشّريط ...
إذا أردتَ أن تعرف تربية شعب فراقب خروج الطلاب من المدارس، وحركة البيع في الأسواق، وعليك أن تراقب حركة الناس في الحافلات. وانظر إلى حركة الأطفال في الحدائق والأهمّ من كلّ ذلك أن تقراَ ملفّات القضاء.
حياتُنا الرّاهنة فرزتْ مفاهيم خاطئة. ولا تتناسب مع أخلاقٍ دعا إليها الشّرعُ ، وتبنّاها العرفُ ، وحرص عليها القانون، وتبنّتْها النّظم التعليميّة ، ولذلك يحقّ لنا أن نتساءل : ما الذي جرى لنا حتّى تغيّرنا تغيُّرا لا يدركه العقل، ولا تستوعبه مجريات الحياة؟ واقعنا الرّاهن فيه الكثير الكثير من البقع السّوداء الداكنة ، وهذا السّواد لا يمحوه، ولن يمحوَهُ إلاّ التزامنا بقيم الخير والحقّ والفضيلة. 
هذا الكلام من قبلي قد يلاقي صدودا أوقبولا.ولكنّه في النهاية يشير إلى أمر ذي اهميّة، وإنّ الإشارة إلى الشيء تحتاج تحديد العلّة، وتحديد العلّة يحتاج إلى وصف الدّواء الناجع. 
إنّ الأخلاقَ تنهل من مراكز مشعّة ، هذه المراكز لا تخفى عن ذي بصيرة. مراكزها البيت والمدرسة ودور العبادة ومن بعدها النوادي والمؤسّسات الأخرى. وغير ذلك محصّلة ، بل هو ميدان اختبار لها، فهل فكّرنا بشكلٍ عقليّ متوازن وصادق بخطابنا التربوي؟ هل توقّفنا أمام المعايير الأخلاقية ، ثمّ بحثنا في آليّة نشرها وزرعها ؟ هل راجعنا أساليبنا التربويّة في شتى المجالات ، وبعدها أعددنا العّدّة للخروج من أزمتنا الأخلاقية المتسلّطة على نفوسنا وأهوائنا؟ هل فكّر المعنيّون بالاحتكاك الميداني بعيدا عن التنظير, نحن بحاجة لوضع النقاط على الحروف وتحديدا في المجالات الأخلاقية والتربويّة ، وإلاّ لن تنفعنا حجارة المدارس والجامعات والملاعب ،لأنها لن تجد النّفوس الصّافية القادرة على الحفاظ عليها. آمل أن أرى الخطوات الجادّة البعيدة عن الارتجال والتصريحات الرنّانة. 
-----
محمود محمد أسد
المقالة منشورة من سنوات في زاوية "لأننا نحبّ حلب" صحيفة الجماهير

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال