مسارات مغلقة /عبد الكريم السعيد

 مسارات مغلقة


على الطريق ذاته، الذي سلكه أقرانه، وعلى مقربة من المحطة الأولى من محطات سنوات العمر، انعطف عن مساره وسلك منحدرًا رسمته ظلال غواية متعرّجة، ومدارات جهل مغلقة، اصطنعها لنفسه. تقمّص خشوع الناسك، مخادعًا، تقيّأه محرابه. حاول أن يكون واعظًا مزيفًا، تلعثم لسانه، كان يجلد ذاته بتفاهة الأغبياء، ويقسر مسارات أمنياته وأحلامه على الخروج عن مسار زمنها الحقيقي.

تلاشى في متاهات السراب، توقّف قليلًا في نهاية منعطف حادّ، حاول أن يستريح ليلتقط أنفاسه بعد عناء وتعب المسير. انزوى في ظل زاوية معتمة من زوايا الخيبة، يراقب حركة العابرين بحذر شديد. تغافل عن مشهد حزين رسمته إغفاءة خاطفة بعد أن وضع رأسه المجهد على وسادة خشبية، لم يطق أن يراه أو يسمعه. كان فصيل من القردة يغني للخيبة، أصواتهم النشاز مزّقت نسيج مسامعه.

استفزه المشهد، صاح بهم بصوت خفيّ، خنقته حشرجة، بكى من وجع خيبته لم يعبأ ببكائه العابرون. استمات في البحث عن مفتاح لنفسه المقفلة بالوهم، عسى أن يجد له مخرجًا من ورطته، ولو بمقدار خرم إبرة. لم يسعفه الحظّ في تلك المحاولات، ارتسمت في عينيه صورة أقرانه وهم على مقاعد الدراسة الجامعية، وصورة أمه التي تزغرد بفرح غامر وتوزّع الحلوى بمناسبة نجاحه في المدرسة الثانوية.

أطرق رأسه خجلًا من تأنيب ذاكرته الطرية، بعد أن اكتشف أنه يسير في مسارات مغلقة، ولا يسلك الطريق ذاته الذي سلكه أقرانه، ولكن بعد فوات الأوان...


 عبدالكريم حنون السعيد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال