الوعي والتعليم والتعلم/خالد عبد الصمد
الـوعـي والتعليــم والتعــلم.
الجهـــل بالشــأن العـام يجعــل مـن العـامـة ضــعفاء لا عقــل لهــم "مـن حديــث رســول الله صـلي الله عليــه وســلم: قـالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الذي لا زَبْرَ له، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذي لا يَخْفَى له طَمَعٌ، وإنْ دَقَّ إلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إلَّا وَهو يُخَادِعُكَ عن أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَذَكَرَ البُخْلَ -أَوِ الكَذِبَ- وَالشِّنْظِيرُ الفَحَّاشُ. [وفي رواية] لَمْ يُذْكَرْ: وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِق عَلَيْكَ. [وفي رواية] لَمْ يُذْكَرْ: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا، حَلَالٌ. وفي رواية: قَامَ فِينَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ذَاتَ يَومٍ خَطِيبًا، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي... وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَزَادَ فيه: وإنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ علَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ علَى أَحَدٍ، وَقالَ في حَديثِهِ: وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لا يَبْغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا. فَقُلتُ [قتادة]: فَيَكونُ ذلكَ يا أَبَا عبدِ اللهِ؟ قالَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى علَى الحَيِّ، ما به إلَّا وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا.
الـراوي: عيــاض بـن حمــار والمحـدث: مسـلم والمصـدر: صـحيح مسـلم وخلاصـة حكـم المحــدث: صـحيح".
فالضــعيف الـذي لا عقــل لـه، أســوء مـن الأمعــــة، هـو شــخص مطيــع أطـاعـة تـامـة وعميــاء، دون محـاولـة التفكـير فـي الأمـر الصـادر لـه أو الفتــنه المحيطــة بـه.
فهــل المشــهد الفكـري تـراجـع وتعثــر فـي الـوطـن العــربي، الـي حـد أعطـاء النـاس الشـعور والأحسـاس أن العـلم شـئ لا قيمــة لـه طالمـا يمكــن أســتحضار نخبــة يمكنهــم أداء هـذه الوظيـفة؟ وهـل يتـم تصــوير فكــرة أن أدراك الـواقـع يغــني عـن التعليــم؟ مـع أن التعليــم يبــدأ مـن أقــرأ وهـي أصــل العقيـــدة، ثـم يليهـــا البحــث، ثـم التفســير، ثـم مخاطبـــة العقـــل والمنطـــق، ثـم ينتهـــي بالأدراك الـواعـي.
العـلم ليـس حـدث عشــوائي، ويجــب أدراك الفــارق بيـن العـلم الحقيقـــي والعـلم المـوجـة والعـلم الزائـــف.
تفشــي العـلوم الزائفـــة يجعــل مـن الـواقـع عشـــوائي، والعـلم المـوجـة هـو أغتصــاب نـاعـم للعقـــول، وكلاهمــا يـؤدي الـي الألحـــاد. أمـا العـلم الحقيقــي هـو محــور التغــيير الفلســـفي لشــخصية الأنســان، والمتمثــلة فـي يقظــة الـوعـي لأدراك الـواقـع كمـا هـو دون زيـادة أو نقصــان.
قـد يكـون المجتمـع المتكــامل لا تكتمــل أركـانه الا بهجــرة العقــول عـبر الأقطــار، لـذا يجــب أســقاط النـزعـات القبليـــة والطائفيــــة والقوميـــة حـتي يتحــقق التكــامـل "لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ - : إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ. المحـدث: الألبــاني والمصــدر: شـــرح الطحــاوية وخلاصــة حكــم المحــدث: صــحيح".
مـن الواضـح أن الـوطـن العـربي لـم يتخــلص مـن آفـة الأســتعمار بشـكل كـامـل، فهنــاك الأســتعمار الفكــري والأقتصـادي
وهمـا مـا يحــارب العـلم والتعليــم، بـل ويدفعـــا أتجـاه التخـلف والتطـرف والجهـــل. مـع أن العـلم هـو محـــور تطـوير المجتمـع والمشـهد السـياسـي والأقتصـــادي "الخطـوات الأولـي عـلي سـلم النهضــة".
أعتقــد أن هجـرة العقــول أعـادت تشــكيل المشــهد العلمـي العالمــي بشــكل عـام، ســواء فـي الغــرب كـافة وكذلـك المنطقــة العربيـــة. لأبـد مـن تحـــرير العقــول، فرســائل الماجســتير والدكتــوراه والأبحـاث المحبوســـة فـي الأدراج وعـلي الأرفــف، تســاوي الجهــل وعـدم الأدراك وهـو ما يســاوي ســقوط الـوعـول وعـلو التحـــوت، فالأيمـان لا يكتمـــل الا بالتعليــم، ولا فهــم وأدراك وتـدبر وتأمـل الا بالتعليــم. التعليــم هـو منــارة التغــيير، والخطــر هـو الأعتقـــاد بالجهــل والهرطقـــة والـدجـل. وعـلي ســـبيل المثــال أنتشـــار الألحــاد، عـلي أعتبــار أن العـلم والــدين متنـاقضــان أو متضـــادان.
البحـوث العلميـــة فـي الغالــب نظــريات قابـلة للتغــيير عـلي مـدار الـزمـن "لـذا هـي نظــريات وليســت ثوابـــت"، أمـا الآيـــات الدينيـــة ثوابـــت وســنن خلقهــــا الله تبــارك وتعــالي لأســتمرار حـركـة الكــون وفـق هـذه القوانيــن والثوابــت.
فالعـلوم مازالــت قاصــرة أمـام العــديد والعــديد مـن الثوابــت والســـنن، كمـا أن هـذه العـلوم مبنيـــة عـلي الظـــن، لـذا لا يحــوز الربـط اليقيــني بيـن العـلوم والآيــات، أنمـا التـأمـل والتدبـر لأسـتشـعار عظمــة الخـلق وقيــومية الخـالق، لمحـاولة أدراك أو تـأويـل الآيـات، والتي لا يعـلم تأويلهــا الا الله سـبحانه وتعـالي "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. سـورة آل عمـران 7".
لـذا عـند خـلط العـلوم المـادية المنقوصـــة، بمفهــوم ديـني منقـوص للقصــور فـي التـأويل وأدراك المعـاني المســتترة والغيبيـــة، النتيجــة ســتكون نقــص وتشــوية للمعــاني المقدســـة وهـو مـرفـوض، أو محـاولة للـي النصــوص وفـق العـلوم المنقوصـــة وهـو مـرفـوض. العــلوم هـي دراســة لحظــية للكــون وليســت للكـون بشــكل عـام "مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا. ســورة الكهـف 51".
المحضــين عـلي الألحــاد يســتغلون تـدهـور المشــاهد الفكــرية والتعليميـــة وربمـا الأقتصـــادية، ليصــل النـاس الـي مـرحـلة التشـــكك فـي كـافة الثوابــــت. وكذلــك أســتغلال فطــرة الأنســان فـي الشــك لأدراك المعـرفة والغيــب، لكــن بطريقـــة موجهـــة لأفســاد الأنســان وفطــرته. والـواعـي هـو لا يقبـــل التشــكيك فـي القيــم والأخــلاق والعـدل والســلام، وهـي أسـاس التعايـش الســلمي العالمــي. والـواعـي هـو مـن يـدرك أن التطــور، لا يعـني التخـلي أو تدمـير القـواعـد والأسـس، بـل التطــور هـو المـزيد مـن العـلوم التـي تخــدم المجتمــع بكـافة طوائفــة، وتســعي لترســيخ الســنن والقـواعـد لا التمـرد عليهـــا.
تطــوير المجتمــع أو تنــوير المجتمــع لا يعـني أجبــار المجتمـــع، بـل تخــيير المجتمــع الـواعـي بيـن الحـق والبـاطـل، وهـذا متــدأ ســماوي "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. سـورة البقـرة 256".
عـند زراعـة البـذور فـي بيئـــة غـير بيئتهـــا، فـأمـا أن تفســـد، وأمـا أن تنبــت نبــات مشــوه حـامـل لهـــوية غــيره ورافــض لهويتــه، البيئـــة المناســبة للنمــو دائمــا هـي الفطـرة الســليمة والهـوية الأصــيلة.
وأختتــم بالآيــات والأحاديــث التاليـــة للتدبــر والتـأمـل.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. ســورة النسـاء 94.
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. ســورة الأنعـــام.
من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ وفرَّقَ عليهِ شملَهُ ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ. الــراوي: أنـس بـن مالــك والمحــدث: الألبــاني
والمصـدر: صــحيح التـرمـذي وخلاصــة حكــم المحــدث: صــحيح.
أســئل الله تبــارك وتعــالي الســلامة ويقظــة الـوعـي للجمــيع. اللهــم أرزقنـــا علمـــاً نافعـــاً، وقلبــاً خاشــعاً، ووعيـــاً مســـتنيراً، ونجنــا مـن فتــن الجهــل والتبعيـــة، وثبتنـــا عـلى طـريـق الحــق برحمتــك يا أرحـم الراحمــين.
خـالـد عـبد الصــمد.
تعليقات
إرسال تعليق