أغصان متقرحة /دراسة نقدية .سامية خليفة
لقراءة نصي النثري أغصان متقرّحة .
• بلاغة الهدم والتمرد - في قصيدة "أغصان متقرّحة” للشاعرة سامية خليفة
بقلم د. مروه العميدي Marwa Mohammed
قصيدة “أغصانٌ متقرّحةٌ” للشاعرة اللبنانية "سامية خليفة" هي بيان تحرر وجودي وحراك لغوي لشجرة الذات الملوعة في لحظة خلع الجذور وإعلان الميلاد من جديد.
ويتمرد نص الشاعرة سامية خليفة على التكوين، إذ أن القصيدة قامت على موقف فلسفي وجودي صريح لا يشوبه الغموض:
“تحديتُ الإطارَ وحدودَه المسننةَ”
فهو تمرد على الأشكال التقليدية للتكوين الشعري، إذ تنهض القصيدة على موقف لا يعتريه إلتباس.
وهذه البداية لم تكن لغاية جمالية بقدر ما هي إعلان تمرد على (الشكل، اللغة، الدور، الصورة، المجتمع، الجسد والتاريخ)، فيبرز الإطار هنا ككناية عن بنية القهر الذي تشكلت فيه الأنثى الكائن والشاعرة، وهذا يتماشى مع جاء به الناقد الفلسطيني - الأمريكي "إدوارد سعيد" مؤسس نظرية الإستشراق الحديثة: “القهر هو بنية تتسرب إلى اللغة وتعيد تشكيل المعنى، ليصبح النص ذاته ساحة مقاومة أو شهادة على العجز".
والقصيدة تصرخ في وجه المفروضات - ما فرض على الأنثى، وما فرض على الشعر، وما فرض على الجسد وما فرض على الغد، فهي تكتب خارج السلطة.
ومما يضيف بعدًا وجدانيًا للقصيدة هو صوتها الداخلي الذي يتقاطر نزفًا، إذ يبرز المونولوج الشعوري مترجمًا الجرح كهوية:
“العروقُ جفَّ نسغُها
الورودُ التي زيَّنت حياتي
كانت بلا رائحة”
ورمزية"العروق" هنا تجسيدًا حيًا لإنقطاع الحياة من الداخل، أما رمزية “الورود التي زينت حياتي كانت بلا رائحة”، هي إعلان خيانة الجمال وظاهريته، إذ تحضر الورود بفطنة وذكاء منها كمجاز للحظات الفرح، لكن هذه اللحظات مخادعة، تفتقر إلى الجوهر، فهي لا تتكلم بصوت الضحية، وإنما بمن يمنح الألم بحلة جديدة، منتزعة من الماضي خطابًا وجوديًا، يعبر الحزن صوب منطقة الإدراك، فيحال الوجع إلى أداة تأمل، ويتحول الصوت الشعري نفسه بديلاً عن المعنى الذي توارى.
ولو عدنا لقراءة القصيدة ثانية بعناية أكبر لوجدناها تخلو من الوزن التقليدي وتتبنى إيقاعًا داخليًا قويًا، فتكرار الأفعال بصيغة الماضي(تحديت، خرجت، تركت، سرت، أطلقت، منحت وعصفت) جميعها تعزز فكرة أن القصيدة عبارة عن رحلة إنتقالية من حالة السكون الحاد إلى حالة فوضى الثورة، وهو عري لغوي إرادي مقصود من الشاعرة:
“تحديت أنوثتي
منحتها فتاتًا للطيور”
وهنا يبلغ التمرد ذروته ويتفوق على قوالب التجميل والتزييف، فقدمت ذاتها ككائن شعري بلا تجميل خارج عن القوالب ومسلح بوعيه كأنثى تقلب التقاليد لا تستسلم لها، رغبة منها في تفجير البنى الرمزية التي حجمت المرأة داخل أطر الزينة والضعف لتعيد الشاعرة صياغة ذاتها بوصفها طائرًا محررًا، لا وردة بلا رائحة، وهذا ما يتوافق مع آراء المفكرة والناقدة الفرنسية "جوليا كريستيفا" أبرز رموز النقد النسوي والتحليل النفسي ونظرية اللغة في القرن العشرين: “الكتابة الأنثوية هي تدفق داخلي - لغة الجسد ونزيف رمزي يعارض النسق المهيمن".
ومن ناحية المشاهد والصور الشعرية، يتضخ بنا تداخلًا ملحوظًا مشكلًا لوحًا حسيًا مشبعًا بالتوتر والديناميكية:
“خرجتُ من زواياهُ
سرتُ حافية
أطلقتُ سراحَهما للرّيحِ”
فالمتلقي يتفاعل بجميع حواسه ويستكشف المضمون بصورة متدرجة، فضلًا عن بلاغة التقويض، فالصور مفككة ومجردة من السلاسة، وتظهر مواجهات ما بين النعومة والقساوة، أي ما بين (الشهد، الطيور والأفق) و(الأشواك، العروق الجافة والإطار المسنن)، وأن هذه الازدواجية في التصوير تولد بلاغة الهدم وهي أرفع مستويات الشعر المقاوم نفسها التي أشار إليها الشاعر السوري "أدونيس" بقوله: "أكتب لا لأمتلك العالم وإنما لأشهَد على زواله".
النص
أغصانٌ متقرِّحةٌ
تحدَّيتُ الإطارَ
وحدودَه المسننةَ
خرجْتُ من زواياهُ
في انتصارٍ
تركتُ خلفي أغصانًا متقرّحةً
العروقُ جفَّ نسغُها
الورودُ التي زيَّنت حياتي
كانتْ بِلا رائحةٍ
لونُها المزيَّفُ المقيتُ
هربَ منهُ الأملُ
تركتُ خلفي كلَّ شيءٍ
سرتُ حافيةً
أتبعُ خيطَ الغدِ
الأفقُ أمامي عارٍ منْ حدودِ
المسافةِ
أفقٌ طليقٌ
وأنا بعينيَّ أنظرُ بروحٍ منعتقة
الأشواكُ لم تكبِّلِ القدمينِ
أطلقْتُ سراحَهما للرّيحِ
تحدَّيتُ الغيومَ
فأنا أحملُ الشَّهدَ مطرًا
تحدَّيتُ السُّيولَ
فأنا أكثرُ منها انجِرافًا
أنا أضجُّ ثورةً وانسيالًا
تحدَّيْتُ أنوثَتي
منحتُها فُتاتًا للطُّيورِ
لعلَّها تشدو بصوتٍ أرقَّ
توقظُ القلوبَ الغليظةَ
من السُّباتِ
تحدَّيتُ الرياحَ
عصفْتُ صراخًا
كفاكُم قتلًا
امنحوا الحياةَ
صكًّا
يعيدُ الكرامةَ
سامية خليفة/لبنان
تعليقات
إرسال تعليق