أيها الليل/عبد الرزاق الباهي حسن



 

أيُّها اللَّيلُ،  

لقد غابَ عنكَ القَمَرُ مُنذُ زَمَنٍ بعيدٍ،  

مَن يَراكَ يَظُنُّكَ لَيلًا مَلائكِيًّا بأحلامِهِ الطَّرِيَّةِ اللَّذِيذَةِ،  

لَستَ كذلِكَ،  

أنتَ مارِدٌ مُرْعِبٌ تَتَستّرُ على فَضَائِحِ مُرْعِبَةٍ،  

ومِن أعماقِ التَّاريخِ النَّتِنَةِ تَتَصاعدُ خُرافاتٌ وَعُقدٌ  

في طريقِ الثَّورةِ والغُربَةِ والتَّجَاوُزِ وكُفرِ النَّاسِ والتَّمَرُّدِ  

والتَّرَقُّبِ الفارغِ ولَعنةِ الضمَأِ وبُؤسِ المَسْكَنَةِ.  

أيُّها اللَّيلُ الطَّويلُ،  

لقد سَلَّمتَ الوجودَ إلى ظُلمتِكَ الحالِكَةِ فَخَلَدَ بدَورهِ إلى الرَّاحةِ والسَّكِينَةِ،  

يَترقَّبُ ما قُدرَ لهُ من مَصِيرٍ.

والنُّجُومُ قدِ استَوَت ثُقُوبًا باهِتَةً في السَّمَاءِ،  

هيَ عُيُونٌ مِن وَدَاعَةٍ وسَلامٍ،  

تُرسِلُ نُورًا خافِتًا وترْصُدُ الوجودَ وتَرْعَاهُ،  

دونَ أن تَفضَحَ أسرارَكَ الرَّهيبَةِ.  

وحينَ تمُوتُ أيُّها اللَّيلُ،  

تَكتشِفُ السَّماءَ والأرضَ والزّمنَ والدّمُوعَ وحَرارةَ الجُوعِ والضَّمَأِ،  

فيُصبحُ النَّهارُ معَ مَوتِكَ مُستَحِيلًا،  

وتَختَنِقُ الضِّياءُ على شَفَا الزّمنِ.


أيُّها اللَّيلُ، يَجْرِي الموتُ وراءَكَ كما يَجْرِي العَدَمُ وراءَ الحَيَاةِ،  

وماتت معكَ مَلامِحُ مِن مدنٍ وبِحارٍ مُغَبَّرَةٍ وحَيَاةٍ طَوِيلةٍ مَرِيرَةٍ.  

حينها يَمشي النَّاسُ إلى أدوارِهِم، ولكلِّ دورٍ،  

ولكِنَّهُم لم يقتنعُوا بِها ولم يُخلَقُوا لأجْلِهَا...


*الأديب عبد الرّزاق الباهي حسن*  


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال