الغنى و الفقر في القرآن / المعلم السعيد أحمد عشي
الغنى والفقر في القرآن
بقلم المعلم السعيد أحمد عشي
قال تبارك وتعالى:( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) سورة فاطر "الآية 15" وقال عز وجل: (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) سورة آل عمران (الآية 181). أما ما نراه اليوم ونعلمه علم اليقين فإن غنى الناس وفقرهم يقدر بما يملكون من العملات النقدية المحلية لكل دولة، وهذا يدل على أن حكام الدول هم الأغنياء وهم الذين أصبحوا يغنون ويفقرون. لقد أصبح أغنى الأغنياء الذين يملكون أكبر مقادير من عملة الدولار على الخصوص الشيء الذي يجعل الساسة الأمريكيين في مرتبة أغنى من الله وهذا بهتان وشيء غير معقول.
إنه عندما كان التعامل بعملات الذهب والفضة التي تقدر قيمتها بالوزن كان ثراء العباد يقدر بما يملكون من الذهب والفضة كما كان يقدر بما يملكون من المواشي والأبقار والإبل التي تعتبر أموالا من خلق الله، ولهذا لم يكن في وسع العباد إن ينكروا فضل الله وكرمه كما لم يكن في وسعهم ألإنكار بأن الله هو الذي خلقهم وهو الذي خلق تلك الحيوانات وتلك المعادن التي كانوا يتنافسون على امتلاك أكبر قدر منها. إن تغيير صك العملات النقدية من معدني الذهب والفضة إلى صكها في شكل عملات ورقية واعتبار تلك العملات قيمة لذهب ولمنتجات كل دولة هو السبب في تحول العملات الذهبية والفضية التي كانت عملات عالمية إلى عملات خاصة بكل دولة على حدا الشيء الذي أدى إلى اعتبار الثراء يقدر بما يحوزه الأغنياء من العملات الوطنية. وكما كان الفقر في القديم يقدر بقلة ما يملكه العباد من عملات الذهب والفضة العالمية أصبح الفقر في عصرنا يقدر بقلة ما يملكه العباد من هذه العملات.
إن عودة العباد إلى التعامل بعملات الذهب والفضة وعدم كنز هذه العملات وعدم احتكارها من طرف أي دولة هو السبيل الوحيد للتخلص من التعامل بالدولار على الخصوص وهو سبيل التحرر من سيطرة الرؤساء الأمريكيين على مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية التي يتقاضى قضاتها أجورهم بالعملات الصعبة. مع العلم أن عدم تحرر دول العالم من التعامل بالعملات الصعبة يعني تبعيتهم لأصحاب هذه العملات ويعني عدم تحررهم الاقتصادي، هذا زيادة عن كون الاستمرار في التعامل بالعملات الحديثة يعني كون حكام الدول هم الذين يثرون ويفقرون العباد وليس الله. وقبل الخاتمة أرجو أن يقرأ الناس قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ سورة التوبة: "الآيتين 65-66".
أما الحقيقة التي يجب أن يعلمها علماء الاقتصاد وجميع العباد بالنسبة للغنى والفقر فتتمثل في نفقات الإنتاج التي قد تعود بمقادير ضخمة وكبيرة من الأرزاق والمنتجات على المنفقين وقد تعود نفقات الإنتاج نفسها بخسارة المنتجين لتلك المبالغ المالية التي لا يمكن تعويضها بمجرد صك المزيد منها. إن ما تقوم الدول بصكه وإنفاقه من العملات هي نفس مقادير العملات التي تصبح قيمة للمنتجات التي تم إنتاجاها وهي نفس مقادير العملات والأموال التي يجب إنفاقها لتجديد ما يتم بيعه وامتلاكه واستهلاكه من المنتجات. إنه لا وجود لغنى إلا بما يرزق الله به عباده من المنتجات ولا وجود لفقر إلا بما يحرم الله منه المنفقين لأموالهم من الحصول على ما كانوا يرغبون في إنتاجه من المنتجات التي كانوا يأملون أن تعود عليهم بالأرباح الضخمة والكبيرة والطائلة. إن ما يجب أن نعلمه يتمثل في كون نفقات الإنتاج تساوي نفقات الاستهلاك دون زيادة أو نقصان وكل تضخم وكل ارتفاع لأسعار المنتجات وما يترتب عليه من رفع الأجور هي وليدة الربا وليست إنتاجا للأموال الشرعية. ومن أمثلة خسارة المنتجين لرؤوس أموالهم في القرآن قصة الرجل الذي كانت له جنتين التي وردت في سورة الكهف والتي أصبح صاحبها يقلب كفيه على ما أنفق فيها والتي قال الله تبارك وتعالى في خاتمتها:(وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بري أحدا) "الآية 42 من سورة الكهف". ومن أمثال هذه القصة وما تلحقه الكوارث الطبيعية وحتى سرقة العباد لمنتجات غيرهم كثيرة. مع العلم أن الله لا يظلم أحدا ولو بمثقال ذرة. قال جل وعلا:[ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا](الآية 40 سورة النساء) وقال عز وجل:( "إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" "سورة يونس الآية 44". صدق الله العظيم وبلغ رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم وكذب الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" وزعيم دولة إسرائيل"نتانياهو" وكل الزعماء والحكام والقادة المفترين الذين حولوا العباد إلى مرتزقين من المنتجات التي ينتجونها بواسطة ما ينفقونه من عملات الربا التي يمنحونها لأنفسهم بأنفسهم والتي ليست أموالا شرعية من مدد الله. إن النظام الاقتصادي الإسلامي هو نظام تعاون وتكافل وبر وإحسان وإيثار الناس لبعضهم بعضا وليس بنظام التنافس على جمع الأموال وتحقيق الثراء. وإن الله هو الغني الوحيد لأنه هو الذي يرزق العباد وليس هناك من يرزقهم سواه. إن تغليط الناس لي ممكن ولكن لا يمكن تغليط الله وما نص عليه الكتاب.
باتنة في 29/09/2025 ميلادية الموافق ل 07/04/1447 هجرية
تعليقات
إرسال تعليق