جولة في متعة النظر / فتيحة نور عفراء
جولة في متعة النظر
ما أجمل أن نتجوّل في فضاءات العين، نترك لها حرية الاكتشاف، ونتتبع عبرها تفاصيل العالم كأننا نراه لأول مرة. فالنظر ليس مجرد حاسة تُدرك الأشكال والألوان، بل هو رحلة روحية وعاطفية، يختلط فيها الجمال بالإدهاش، والدهشة بالسكينة.
حين نرفع أبصارنا إلى السماء، نغتسل بزرقة لا نهاية لها، ونشعر أن الغيوم المعّقة هناك ليست مجرد ماء متكاثف، بل رسائل عابرة من عوالم غامضة. وعندما تغيب الشمس، تتحول السماء إلى مسرح آخر، تتناثر فيه النجوم كحبات لؤلؤ مضيئة، كأنها أبواب صغيرة تفضي إلى أسرار بعيدة.
أما الأرض، فلكل زاوية فيها متعة للنظر. ورقة خضراء صغيرة تحمل سرّ الحياة كلّه، قطرة ندى تستيقظ على خد زهرة، حجر قديم يروي تاريخا صامتا، أو عيون إنسان تُخفي في بريقها آلاف الحكايات. إننا حين نتأمل بصدق، نكتشف أن لكل شيء جمالا خاصا، حتى تلك التفاصيل التي نمرّ عليها دون انتباه.
النظر أيضا لغة، نقرأ بها ما لا يُقال. قد تبوح عين واحدة بما تعجز عنه صفحات طويلة من الكلام. فيها العتاب والاشتياق، فيها الرجاء والانكسار، وفيها الفرح الذي يتوهّج بلا صوت. إن متعة النظر إلى الآخرين لا تكمن فقط في رؤيتهم، بل في قراءة عوالمهم الداخلية من خلال ملامح وجوههم وحركاتهم الخفيّة.
وجولة النظر لا تكتمل إلا بالعودة إلى الداخل. أن نغلق أعيننا قليلا وننظر بروحنا إلى أعماقنا، فنكتشف كم من الظلال والأنوار تسكننا. عندها يصبح النظر تجربة مزدوجة: نقرأ العالم بعيننا، ونقرأ أنفسنا بعين القلب.
هكذا تصبح جولة في متعة النظر رحلة لا تنتهي ؛رحلة تأخذنا من زرقة السماء إلى اخضرار الأرض، من بريق العيون إلى صمت الحجر، ومن ملامح العالم الخارجي إلى أعماق الروح. وفي كل محطة، ندرك أن الجمال ليس شيئا نبحث عنه بعيدا، بل هو حاضر في كل ما تقع عليه العين إذا أحسنّا النظر.
تعليقات
إرسال تعليق