الوعي وفاتحة الكتاب الجزء التاسع/خالد عبد الصمد
الــوعـي وفاتحــة الكتــاب (9 والأخـير).
أرتبــاط الصــراط المســتقيم بالقضـــاء وبمحــددات الحـرام، بالأمــر والتأكــيد عـلي حفــظ الأمـانـات والعـدل والإحسـان والحكـم بالعــدل والنهـي عـن الفحشــاء والمنكـر والبغـي.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. ســورة النسـاء.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. ســورة النحــل.
الآيـات الكريمـة توضـح ارتبـاط النظـام القضـائي والتنفــيذي فـي الاســلام، فالأمـانـات هـي تخـص قضـية بيـن طرفـين او بيـن طـرف وفـريق او جهــة. فالعقــود أمـانـة والمواثيــق أمـانـة، والعـدل فـي الحكــم فـي المطـلوب والواجــب بأعطـاء كـل ذي حـق حقــه (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا. ســورة الأســراء).
والقـرآن الكـريـم وضـح الترتيــب الأداري ان جـاز القــول، لتطــبيق العــدالة فـي الطـاعـة الاسـاسـية والمطلقــة لله رب العالمـين، ثـم أطـاعـة الرســول فـي حـال وجـوده يكـون عـلي رأس الســلطة، وفـي غيـابه فـي ظــل الاحكـام والسـنة التـي خلفهــا مـن بعــده فـي ظـل ســنن الله رب العالمـين، ثـم أولـي الأمـر والتـي يمثلهـا عـلي ســبيل المثـال المحـاكـم او مجلـس القضـاء الأعـلي. الرســالة والرســول لأثبــات الأمـانـة وتحـقيـق العـدالة بالتحقيـق عمليـا فـي المجتمعــات. لـذا أداء الأمـانـة الـب أهلهـا وتطـبيق العـدالـة فيهمـا الأهـتداء الـي الصـراط المســقيم. ومـن يلــتزم بمـا جـاء ذلـك فهـو عـلي الصـراط المسـتقيم.
وهنــاك فئــة آخــري يـريـدون الاحتكـام الـي الظــلم، فـي نظــام يعتمـد عـلي الطغيــان، وتحقيـق مصـالح فـردية او رشـوة او محسـوبية او تفضـيل عـرق عـلي عـرق او مـلـة عـلي مـلة او جمـاعة عـلي آخـري. هـؤلاء هـم المغضــوب عليـهم والضـالين.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا. ســورة النسـاء.
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. ســورة البقــرة 188.
امـا عـن أرتبــاط الصــراط المســتقيم بمحــددات الحـرام، الحـرام هـو جعــل الله رب العالمـين لـه حـرمـا، لا يحــوز تجـاوزة او القــرب منـه لعـدم الوصـول الـي النتــائج الســلبية.
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ســورة الأنعـام.
الشـرك منطقــة محـرمـة لا يجـوز الاقـتراب منهــا، حـتي لا يحـدث الشـرك فتضـيع الدنيـا والآخـرة "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا. سـورة النسـاء 48". الاحسـان الـي الوالـدين لـه حـرمـة كـبيرة فلا يجــوز أنكـار او أهمـال حقـوق الوالـدين " وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا. ســورة الأسـراء". قتــل الأولاد خشــية الفقـــر غــير جـائـز ومحــرم فالله هـو الـرزاق. الأقتــراب مـن الفواحـش غـير جـائـز ومـرفـوض بشــكل كـامـل، ففـي الفواحـش المثليـة الجنسـية كقـوم لـوط عليـه السـلام والـزنـا. تحـريـم جريمـة القتــل المـؤدية الـي الخــلل الأخـلاقي والمجتمـعي. تحـريـم التعـرض للفئــات الضـعيفة متمثـلة فـي اليتيـم. وتحـريـم الغـش فـي التجـارة والمـيزان والكيــل. وجـوب قـول الحـق والعـدل دون مـواربـة او التحــيز لفــرد دون آخـر.
ومـن يقــترف الحـرام فقــد بـاء بغضــب مـن الله، فهــو مـن المغضــوب عليـهم والضــالين. القــرآن الكـريـم شــامل للفـرقـان، فهــو توضــيح للفــرق، حـتي لا يلتبـس الأمـر عـلي النـاس فيقــع الخطــأ.
وخـــتاما وتلخيصــا لمـا جـاء فـي الأجـزاء السـابقة، الفاتحـة ليســت مقـدمـة كتــاب الله وحســب، بـل هـي نموذجـا تأسـيسـا ودســتور وجـودي ان جـاز التعـبير. فـي تقـديري ان ما فيهـا مـن ســنن كانــت جـزء أصـيل مـن المكـون الإنســاني (الحمـأ المســنون).
الفاتحـة يـتم قـراءتهـا 17 مـرة يوميـا فـي الصــلوات المفـروضـة، بخـلاف قـراءتهـا فـي النـوافـل. وكـأن هـذا أســترجاع لتحفــيز المكـون الغـيبي فـي المكـون المـادي. القـرآن كلمـات الله وســننه وقوانينــه، والفاتحـة المفتـاح الرئيسـي Master Key لكـل الســنن والقوانيــن.
بـدايـة ســورة الفاتحــة بحـرف البــاء فـي "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ"، البـاء كمـا تسـمي أداة الصــاق، فهـي نقطـة الأتصــال (تسـجيل الدخـول) الـي النظـام السـنني، وكـأن ذلـك أتصــال مباشــر بقوانيــن الـوجـود، وبـدايـة للأنتقــال مـن الضــعف الـي القــوة، ومـن الجهــل الـي العـلـم، ومـن العـدم الـي الـوجـود. خـلق الله رب العالمـين رحمـاني مبـني عـلي النمــو والـوفـرة، والله تبـارك وتعـالي هـو المالـك المطــلق لقـانون الســبب والنتيجــة. وعــبادة الإنســان تمهيــد وتذليــل للمحيــط للوصــول الـي الصـراط المســتقيم، والابتعــاد عـن صــراط الجحــيم. طلــب المعـونة والأســتعانة بـلا عمــل لـن تجـدي، والســير فـي اتجـاة يخالـف الســنن يقــود الـي الضـياع والانحــراف. ومـن أنعـم الله عليهـم وهبـهم التمكـين فـي العـلم والقـوة وعيــا وارادة، والمغضــوب عليـهم والضــالين هـم مـن خالفــوا وغفــلوا فتـاهـوا فـي الظلمـات بـلا مرشــد او دليــل.
خـالـد عـبد الصــمد.
تعليقات
إرسال تعليق