الوعي والتوقع والغيب /خالد عبد الصمد
الــوعـي والتـوقـع والغيـــب "الجــزء 36":-
مـن عـلامـات الســاعة "العــلامـات الكــبري – الجــزء 11".
هــل آن الأوان لخـروج الأمـة العربيـة والاسـلامية مـن ســباتها، لتخـرج مـن فتــرة التيـه الطويـلة، والتـي طمســت فيهـا عقيـدتها وثقافتهــا ووعيهــا. فـي القطــرية "تقسـيم سـايكـس – بيــكو" كانـت الســجون وفـق مـا يسـمي بالحـدود الجغـرافيـة، وبـات الحكـم الجـائر هـو الحـارس عـلي هـذه الحــدود، هكـذا تـم أخــتراق الأمـة بســياج وهميــة قدســتها القطـرية وقدسـها مـن خلفهـا القطــيع. الـوعـي الشـعبي صـار هـو الخطــر عـلي الحكـم الجـائـر، وكســر حـاجـز الخـوف عنـد القطيــع هـو ما يسـمي عنـق الزجـاجـة، لـذا أعــادة تعـريف الـوعـي الفــردي هـو التحــرر مـن عبـودية القطيــع.
نهضـــة الأمـة ســتكون مـن مـراكـز الأشـعاع الحضـاري تاريخيــا، الشـام والقـاهـرة وأســطنبول والـريـاض وبغــداد. بالـرغـم مـن كـل مـا مـرت بـه الأمـة فـي الســابق، كـان هنـاك جغـرافيـا آمنـه تمثــل مـركـز ثقــل المســلمين ومـركـز قـوتهـم، أمـا الاســتضعاف العـام الآن فـي عـدم المجـاهرة بالحـق والخـوف مـن تكالــب قـوي ضـاله ظالمـة، هـو مـا يسـمي قـاع الأنحـدار، وقـال الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم فـي ذلـك.
يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها . فقال قائلٌ : ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم ، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ . فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ ! وما الوهْنُ ؟ قال : حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ.
الـراوي: ثوبـان مولـى رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم والمحـدث: الألبـاني والمصـدر: صـحيح أبـي داود وخلاصــة حكـم المحـدث: صـحيح.
ولكـي تنهـض الأمـة لابـد مـن العـودة الـي مـا أمـر الله تبـارك وتعـالي بـه، والانتهـاء عـن مـا نهــي رب العالميـن عنـه، فســنة الله سـبحانه وتعـالي ماضـيه لا تفـرق بيـن هـذا وذاك، وهـذا لـن يكـون إلا بالعـودة الـي منهـاج النبـوة، وقـال الرسـول صـلي الله عليـه وســلم.
تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ - تعالى -، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ - تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ - تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ - تعالى -، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ. ثم سكت...
الـراوي: النعمـان بـن بشــير والمحـدث: الألبـاني والمصـدر: هـدايـة الــرواة وخلاصـة حكـم المحـدث: إسـناده حسـن.
والخـلافـة لا تعـني أنفـراد شـخص مـا بالمـلك، بـل العـودة الـي مشــروع الاســتخلاف العظـيم فـي القـرآن الكـريـم (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. ســورة البقـرة 30)، وهـذا لـن يكـون إلا بأجتمـاع الأمـة عـلي قلــب رجـل واحـد (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا. ســورة الفتـح 29 - وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. سـورة آل عمـران 103).
البـدايـة للأمـة نبــوة ورحمـة والنهــاية جهــاد لترســيخ مـا أمـر بـه الله تبـارك وتعـالي، وقـال الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم فـي ذلــك
أوَّلُ هذا الأمرِ نُبوَّةٌ ورحمةٌ، ثمَّ يكونُ خلافةً ورحمةً، ثمَّ يكونُ مُلكًا ورحمةً، ثمَّ يتكادمون عليه تكادُمَ الحُمُرِ، فعليكم بالجِهادِ، وإنَّ أفضلَ جهادِكم الرِّباطُ ، وإنَّ أفضلَ رباطِكم عَسْقلانُ.
الـراوي: عبـد الله بـن عبـاس والمحـدث: الألبــاني والمصـدر: السـلسـلة الصـحيحة وخلاصـة حكـم المحـدث: إسـناده جيـد.
فالحكـم الجـبري خـالـي مـن الرحمــة وفيـه تكـادم الحمــر، وتكـادم الحمـر كنـاية عـن التمسـك بالحكـم رغـم الجـدب والفقـــر وقهـر القطيــع. وفـي هـذا التكـادم نبـذ الشـريعة والأنخـلاع منهـا تمـامـا، ويتـأكـد هـذا المعـني والمضـمون مـن المقاصــد والمفاهيـم فـي أحاديـث الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم.
كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا كُنَّا في جَاهِلِيَّةٍ وشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بهذا الخَيْرِ، فَهلْ بَعْدَ هذا الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلتُ: وهلْ بَعْدَ ذلكَ الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قالَ: نَعَمْ، وفيهِ دَخَنٌ، قُلتُ: وما دَخَنُهُ؟ قالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بغيرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ منهمْ وتُنْكِرُ، قُلتُ: فَهلْ بَعْدَ ذلكَ الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ إلى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقالَ: هُمْ مِن جِلْدَتِنَا، ويَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا، قُلتُ: فَما تَأْمُرُنِي إنْ أَدْرَكَنِي ذلكَ؟ قالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وإمَامَهُمْ، قُلتُ: فإنْ لَمْ يَكُنْ لهمْ جَمَاعَةٌ ولَا إمَامٌ؟ قالَ: فَاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، ولو أَنْ تَعَضَّ بأَصْلِ شَجَرَةٍ، حتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وأَنْتَ علَى ذلكَ.
الـراوي: حذيفـة بـن اليمـان والمحـدث: البخــاري والمصـدر: صـحيح البخـاري وخلاصـة حكـم المحـدث: صــحيح.
وهـذا يعـني ان الحكـم الجبــري بـلا رحمــة، بـل جـبروتي فيـه اســتحلال الخمـور والحـرير والفـروج وتقطـع فيـه الأيـدي والأرجـل والرقــاب (الأشــراط). وعـلي كـل مـؤمـن عـاقـل ان يـدرك الـواقـع، ويتلمـس فيـه مـا جـاء فـي أحاديـث الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم.
تطـابق الـواقـع مـع مـا جـاء فـي الأحاديــث، يعـني الحـذر وضــرورة أجتبــاب مواضـع الفتنــة. المعصـوم مـن عصـمة الله تعـالي، والأنخـراط فـي الفتـن فيـه سـوء العاقبــة.
المجهـود العـربي والاسـلامي لتحـرير الأراضـي المحتـلة غـير فعــال، بـل يسـعي البعـض الـي مـا يسـمي التطـبيع مـع الـدولـة الملفقــة، دون ضـوابط وقـواعـد شــرعية تحفـظ لأصـحاب الأرض المحتـلة حقـوقهم، وذلـك لعـدم الأصــطدام مـع ذات العمـاد ســواء بشـكل مباشــر او غـير مباشــر، ولكســب مـا يســمي مظـلة حمـاية ذات العمـاد، فـي حـين تسـعي ذات العمـاد الـي مـزيـد مـن شــرعية للاحتــلال عـبر دعـوة دول اسـلامية مـن خـارج الـوطـن العـربي الـي التطبيـــع، ومنهــا كازاخســتان – تركمانســتان – قزغيرســتان – طاجكســتان – أذرابيجــان وذلـك عـبر ما يسـمي بالأتفـاقيـات الأبراهيميــة.
وهـذه الأتفـاقيـات مـا هـي إلا مغـازلة للطبيـعة المتدينـة عـند النـاس (الفطـرة السـليمة)، مـع انهـا فـي الحقيقــة المســتترة مطـاردة للـديـن وأهـله لكـن مـن وراء حجـاب (الدبلوماسـية).
مفهـوم الأمـة لا ينتهــي لكـن الـواقـع ان الأمـة ضـعيفة وحبيســة تحتـاج ان يفـك أســرها (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. ســورة آل عمـران 110 - قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ. سـورة الأنعـام 65).
قـد يكـون غـادر الاســتعمار شــكليا، لكنـه مـازال متحكـم فـي مفاصــل الأمـة، عـبر الـوكـلاء والأذرع ومـا يسـمي أتفـاقيـات سـياسـية وأقتصـادية وأمنيــة. هنـاك أتفـاق ضـمني قـد يكـون غـير مكتــوب، لكنــه مفعــل فالوكـلاء لهـم دور فـي حمـاية الـدولـة الملفقــة وتأمينهـــا، دون عمـل حقيقــي لتحـرير الأراضـي المحتـلة، وهـي كمـا أخـبرنا الله تبـارك وتعـالي أنهـا الأراضـي المبـاركـة (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. ســورة الأنبيـاء 71 - سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. ســورة الأسـراء 1.
ومـن هـذا المنطـق الاسـتعماري المســتتر، تتحـول الـدول الـي مســتعمرات بـدون اســتعمار (عـندما تخـدم الـدولة مصـالح الأجانــب بغـض النظــر عـن خـدمـة أهلهــا، فهـذا اســتعمار بـدون قـوات أجنبيـة عـلي الأرض). ذلـك بخـلاف التقسـيم الجغـرافي، الـذي أوجـد اللاهـوت السـياسـي بـديـلا عـن الـديـن، فصـار المفهـوم المقـدس للعـلم، وللبرلمـان كمعــبد، وللدســتور كبـديل عـن كتـاب الله. ومـن هنـا جـاءت المعـاني المغـلوطة للمقـاومـة، فصــارت تسـمي تمـرد وأرهـاب يجـب أجتثــاثه والقضـاء عليـه. وهكـذا يتـم تهميـش آراء النـاس، وبـات الأعـلام يصـدر زخـرفـات شــكلية لا عـلاقـة لهـا بالـواقـع او المنهـج والتكليــف.
غفلـــت الأمـة ولـم تتخـذ مـن العـدو عـدوا، ولـم تتخــذ الحــذر منـه، ولـم تتخـذ مـن التدابيــر مـا يقيهــا شــر العـدوان.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
تعليقات
إرسال تعليق