في صدد أولوية الفعل الثقافي / محمود محمد أسد

في صَدَدِ أولويَّةِ الفعلِ الثّقافي
سلوكُ الأفراد في مجتمعاتهم يعكس وعيهم وتكوينهم ، ويبرز الكثيرَ من الجوانب الخفيّةِ والحقيقيَّةِ في حياتهم ، فإنَّ ممارساتِ أفراد المجتمع في عصر ما وفي بلدٍ ما يبرز نتاج الوعي متمثلاً بالقيم والمفاهيم ، ويعكس قدرة المجتمع على التسلّح بالثقافة المعرفية الشاملة والمكتسبة ، وهي نتاج سنوات وقرون .. فالفعل الثقافي تفسير حيٌّ و مباشر وفاعل لمدى تجاوب الإنسان مع المقولة الثقافية وتكوينه الثقافي الذي يتطلَّبُ تفسيراً ملموساً على أرض الواقع وإلا فإنَّهُ مُجرَّدُ حالةِ ترفٍ . 
إذا كانت الثقافةُ مجموعةً من المعارف والعلوم والأعراف والعاداتِ التي اكتسبَها المرءُ بالعلمِ والتعليم والاحتكاك والتأثُّرِ بالآخر فإنها لا تكسب أهميتها ولاتبرز ما هيَّتُها الحقيقية إلاَّ بفعل فاعلٍ مؤثِّرٍ ودالٍّ ، يوازي بل يفوق تلك المقولة التي طالما قرأها المرءُ على نفسِهِ أو على الآخرين وإذا لم يتوقَّفْ عندها ، بل اعتبرَها لوحةً جميلةً يزيِّنُ بها متجرَهُ ومكتبَهُ وعيادتَهُ بعيداً عن فهم أبعادِها ، فلن تترك أثراً في ما هيةِ تكوينه السلوكي ولن تردَعهُ ، فكان حالُهُ كحالِ مَنْ ملأ مكتبَهُ بالآيات والأقوال التي تحضُّ على الخير والأمانة والصدق ولا يملك منها سوى الاسم . 
إذا كانت الثقافة تلك التربة وذاك الوعاء المليء بالماء والهواء فإنَّ مردودها الحقيقيَّ لا يكون في التأويل والتنظير والتوصيف والشّطط من الأفكار النظريّة وغيرها ، بل تكمن أهميّتُها بفعلها المنتج والمثمر وربُّما يقول قائلٌ : إنَّ القولَ دالٌّ ممتدٌ على مساحات واسعة من الزمان والمكان أفقياً وشاقولياً. هذا القول محمولٌ على الشفاه وفي طيِّ الكتب وهو قولٌ نلقِّنهٌ ونستشهد به ، وندرِّسه، وعطاؤُه مُمْتدٌّ .
 نعم هذا صحيح ولكنَّ تفسيرَهُ لا يكون إلاَّ بما يترك من أثرٍ في مسارِ سلوكنا وحياتنا . ولذلك تتوحَّدُ المقولاتُ الثقافيّة أحياناً ، ولكن يختلف العمل بها . وهذا يجعل الفرق جليّاً بين قولٍ ثقافيٍّ وسلوك ثقافيّ . فهناك قضايا ثقافية وفكريّة نردِّدها على مرِّ الأيامِ والساعات ونتعامَلُ مع مفرداتها كحالة ضروريّة ، فتصحبنا في سهرنا وعملنا ومسارنا ، ولكن سرعان ما نتخلَّى عنها مع أوّل موقف جادٍّ أو صدمة أو تفسير حقيقيٍّ ملموسٍ لها . 
وإذا أردْتَ تفسير الوعي الثقافي فانظر إلى المطارات والحدائق والشوارعِ والمكاتب ودور النشر ومناهل الثقافة 
إنّ المقولة الثقافيّة سريعة الانتشار وسهلةُ التداول والوصول والنفوذ إلى الآخرين .. نحملها في حقائبنا وخزائننا وصحفنا ومكاتبنا ، ولكنَّها تبدو عاجزةً مقطوعةَ الصلة مع المنبت الأصلي والمكان الخصبِ لها ، ولذلك تتَّسِعُ الفجوةُ والهوَّة بين ما نحمله وما نفعله ، فيتَّسِعُ الشَّرْخ ، وعندها تحدث القطيعة وتتزعزعُ الثقة فتفقد الكلمات دلالتها ، فتموت القوّةُ المؤثّرة التي يحملها سِحْرُ الكلمة . نعم سنشعر بالنّشوة والطمأنينة عندما نسمع الأحاديث الرائعة وعندما نشاهد العيادات ومكاتب المهندسين والمحامين ورجال الأعمال وقد امتلأت جدرانُها بالشّهادات والأقوال والحكم ، وتأسرُنا مقولاتُ وجملُ الخطباء والأدباء والسياسيين التي تبدو محكمة الصياغة غنيَّةَ الدلالة . وبالمقابل ستُدْهشك الأبنية والعمارات والصروح الرائعة، ولكنك ستشعر بالصّدمة عندما تراها حجارةً وخشباً بلا روح . وتصفعُك بقسوة تلك الممارسات من أقرب الناس الذين تعتزّ بثقافتهم وتحصيلهم وحديثهم . لأنك ستسمع كلامَهم الذي لا يلتقي و لا ينطبق على سلوكهم ، فتستسلم لمرارة الخيبة و لعمق الحزن الدّفين في أعماقك. 
أهي مأساة فرد أم أنها مأساة أمم وشعوب نامت على حبِّ القول والتنظير؟ فراحت ترضع أقوالاً افتقدتْ دسمَها. فلا تقسُ على نفسك خوفاً وحرصاً على ما تبقّى من مشاعرك الموخوزة بإبر السّلبيّات فاقبضْ على أعصابك وأنت تستمع لطبيب ينصحك ، ويلحّ عليك بالتزام مواعيد الدواء وكميّته المحددة ، وهو يمسك بيده سيكارته ، وقد تأخَّرَ عن موعد حضوره لساعة وعندما دخل لم يبدِ أسفاً واعتذارا . ولمَّا جاء دورُك في المعاينة راح يستمع إليك ويجسّ نبضك وهو يتحدَّث بالنقال مع تاجر عقارات لشراء مشفى … دون مراعاة لأحاسيسك ، وأرجوك أن تتماسك كثيراً ، واجعلِ الأمر مجرَّد تسلية وتضييعٍ للوقت إذا سمعت لأديب يدعو للديمقراطيّة والحرّيّة والانفتاح والموضوعيّة . وقد جمَع رجالَهُ حول طاولته وراح يتكلَّمُ عن حزبه وتجربته وفئته ومعتقده لا غياً الآخرين، ولمّا جاء دورُ الآخرين اعتذر مع شيء من اللباقة المفتعلة … وإذا سمح لك أبدى تذمّره وهو يقول : اختصرْ … اختصرْ … حرصاً على الوقت الثمين وهو الذي لا يفارق المقهى ومجالس النميمة … و … و … وفي اليوم التالي يحدِّثك عن الأزمة الثقافيّة ، وأزمة الكتابِ والكتَّاب . وهو لا يقرأ سوى برجِه … ولا يجد مانعاً في بيع الكتب التي تُهدى إليه ، ولا يجد الوقت لإزالة الإهداءات عنها …
 أليستْ هذه إحدى ممارسات ومنعكسات القول الثقافي الذي لم يجدْ تفسيراً عملياً صادقاً ومنتجاً ؟
ماذا تقول عن تلك المعابد والمكاتب والقصور التي أمَّها تجّار البلد وامتطاها الأميّون وأنصافُهم دون مراعاة للضّوابط والنظام… صرفوا عليها الكثير من الملايين وابتكروا أفانين الزخرفة الرائعة ولكن تراها شبه خاوية سوى أيام الأعياد والمناسبات … ألم تتضايق وأنت ترى البائسين والمرضى وقد اصطفّوا على الأرصفة والجوانب … وتوخزك تلك الكلمة : ساعدِنا على بناء المساجد … ساعدْ اخوتَنا البائسين والمحتاجين . أظنك تتضايق من هذا العرض المؤلم لهذه الممارسات التي لا تنمَّ عن مخزون ثقافي حقيقي . إنَّها طقوسٌ تدلُّ على فراغ ثقافي لا يملك ثوابته . فلا تبدِ أساك على تلك الحديقة وقد تحوَّلتْ لمحطة سيارات دون رادع من أحدٍ . ولا تغضب إنْ شاهَدْتَ شارعاً جميلاً نظيفاً ومن أجمل الشوارع وقد تحوَّل الى سوق تجاري مليءٍ بالبسطات والعربات والمخلَّفات والأصوات الشاذة وكلُّ ذلك على مرآى من الآخرين الذين غضّوا أبصارهم بغربالٍ واسع الفتحات ولكنّهم صادروا بصيرتهم التي غُطّيت بغشاوة المصلحة الخاصة … 
وكيف يكون حالك وأنت ترى الأماكن الأثريّة العظيمة وقد أضْحَتْ سلعة وملكاً للتجار . يعبثون بها ويشيدون عليها مشاريعهم وعلى مرأى من أوصياء الثقافة وروَّادِها ورعاتها. والمصيبة العظمى عندما لا تستطيع تفسير هذه الأعمال . و لا تجدُ من يشمِّرُ عن ساعديه للدفاع عنها وتعرية هذه الأوبئة
سيؤلمك أولئك المفكّرون وقد ملؤوا الصحف والمجلّات وبرامج التلفاز وعظاً وتحليلاً للآخرين ولكنهم عجزوا عن ملامسةِ همومك . وتصابُ بالتقيُّؤ وأنت ترى معاملاتهم ونظرتهم القومية للآخرين . فهاهم يديرون الوجه أمام القضايا الكبرى ، ويتناسَون حقوق الآخرين ، فلا تسْمَعُ إلا شططاً فكرياً ، وتلوُّناً وتذبذباً حسبَ العقول والأهواء وحسبَ مقتضيات المصلحة الخاصة. فلكلّ مجلسٍ حديثٌ وخطابٌ ، وكأنّهم فُصِّلوا من جلود الحرباء ولكل الفصول. الثقافة قولٌ مقرون بفعلٍ. وهي حالة أخذٍ وعطاء … الفعل يُبرزها ، ويرسِّخها والفعل يُنبتها . ولذلك تحتاج لمن يعي دور الكلمة ودلالتها ومكانتها فالقول الجميل الذي يطربني ويدخل الى منافذ الروحِ والعقل يحتاج لبادرةٍ من العمل المخلص كيلا تذروه الممارساتُ الخاطئة . والحديث عن النظام والنظافة أمرٌ جميلٌ وجليلٌ وأجمل منه وعْيهُ والحرصٌ عليه والدفاع عنه … وتقديم الوصفات والنصائح أمرٌ عظيمٌ ولكنّه أعظمُ أثراً وتأثيراً لوشاهَدْتَهُ بياناً عملياً مقروناً فيه القول بالعمل. إنَّنا نحتاج الى أولويّة العمل بعيداً عن الثرثرة والجدلِ للجدل فحسب، وإننا بحاجةٍ الى فعلٍ فاصلٍ بين الجدِّ واللهو وبين الخصب واليباب … ما أحوجنا الى المثقَّف الذي يعي كلمتَهُ وموقفه ! ويدرك أبعاد مواقفه ، فيلتزمها سلوكاً وعملاً بعيداً عن الأنانية والذاتية المتضخّمة والمتورِّمة . 
شارِعُنا وبَيتُنا ودائرتنا ومدرستنا ومساجدنا ومنتدياتنا وبرامجنا بحاجة لتجسيد الوعي الثقافي على مستوى الواقع بعيداً عن الرياء والنفاق والتدليس . فلا بدَّ من إيجاد القدوة هذه القدوة التي أدَّت رسالتها وبَرَزَ دورها في الأزمات عبرَ العصور . فالناس يحسنون ديباجة القول الثقافي فلا تسمع إلَّا أقوالاً مؤثِّرة وغنيَّة ولكنها أقوالٌ مبقورةٌ انفصل فيها الجسد عن الروح فَنَمَتِ وتنامت التجاوزات والمخالفات على حساب القول الذي أعطاهم جواز مرور يبَرّرُ لهم فعل ما يشاؤون … 
عليك أن تجمع غضبك وتتحمَّل شَحْنَة الألم والاستغراب وأنتَ ترى رجلَ المرور يتجاوز الإشارات والسرعة وأنت تبصر وتسمع رجل القانون وهو يلتفُّ حول القانون ويفتح ثغراتٍ فيه لتلائم ميوله ومصالحه … ولن تكون سعيداً وأنت تسمع لمحاضرة أو محاور يدافع عن حق المرأة بحماسٍ زائدٍ … لها حق العمل … لها حقُّ التملك … ولكنه في آخر الليل يشبع زوجته ضرباً وشتماً ويقبض مرتَّبها في أوِّل كلِّ شهر يالها من سخريةٍ لاذعةٍ أو يالها من مفارقةٍ مشينة !  
حصانةُ الأمّةِ والمجتمعِ والإنسان تكون بالتمثُّلِ السليم للقيم والدفاع عن المقوِّمات ، والتمسّك بالمبادئ قولاً وتفسيرها عملاً وهذه الحصانة لا تظهر إلا بالأزمات التي تكشف المعدنَ الحقيقيَّ للمثقفين. 
تفاقمتِ الأقوال أمام شحِّ الأعمالِ ، فانعدمَ الثمْر وقلَّ الفعلُ ، فغابتِ المواقف وبقي الكلامُ سيِّدَ المواقف…
ليست الثقافة إلا بذوراً تنتظر من يبذرها ويرعاها ويجنيها . وليست إلا لَبِناتٍ تحتاج لمنْ يحملها ويشيِّدها لبنة فوق لبنة بعد جَبْلها بالعرق والجهد . إنّي أسمعك فتطربني وأشاهدك فتبكيني … عظمةُ المقولات في المجالس مريحٌ ورائعٌ ولكنها تندثر أمام شريط الفوضى والتجاوزات وسوءِ التوظيف . لأنها مقولات لا تتجاوز الشفاه. فنحن أمام وعيٍ شفويٍّ جميل ورائعٍ ، فسّرَتهُ الشعوب المتقدِّمة سلوكاً وعملاً منتجاً . لم تستطع فلسفته إلا من خلال سلوكها وممارساتها ، فتنامى عطاءً وقوّةً وتطوّراً ، ولكنَّهُ بيننا علاهُ العفَنُ ، واستهلكته طاولات المقاهي وكؤوس الحانات وأرصفة الشوارع التي تئنُّ من وطأة المتسكّعين على موائد الثقافة… 
    محمود محمد أسد
زاوية صحفية ومعقولة منشورة من سنوات

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال