الوعي وإتاحة الحقيقة والنسيان ج٤/خالد عبد الصمد

 الـوعي وإتـاحة الحقيقــة والنســيان (الجــزء 4):-

العـدالة الإلهيـة مطلقــة، وعـدالة الله سـبحانه وتعـالي وفـق الســنن والقوانيــن، التـي فطــرت المخـلوقات عليهـا، فهـي ليســت وفـق العقـل والمنطـق البشـري القاصــر والمحـدود، والأهـواء الإنســانية التـي تخـلو مـن الحيـادية، والتـي تلجــأ دائمـا إلـي التطـرف والعرقيـة.

الظـلم ليـس عـابرا، والصـمت عنـه ليـس ضـياع للحقـوق. عـدالة السـماء لا تسـقط الأحـداث حـتي لو كانــت مجـرد نظـرة (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. سـورة غـافـر - وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. سـورة هـود 6). فلكـل مخـلوق وإنســان كتــاب (ملـف) فـي السـماء، لا يغـادر صـغيرة ولا كـبيرة إلا أحصــاها، والكـل سـيحاسـب عـلي مـا أقتـرف (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا. سـورة الأسـراء).

الإنسـان لـم يخـلق عبثــا أو صـدفة (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ. سـورة المؤمنـون)، بـل هنـاك جـزاء وعـدالة ترصـد وتـدقق ولا تخطـئ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. سـورة الفاتحـة 4)، المـيزان يرصـد كـل التفاصـيل (نظـرة – كلمـة – خيـانة – خـاطـرة – اســتغلال صــمت) وغـيرها.

الظـالـم قـد يظـن إنـه أنتصــر وتمكـن مـن المظـلوم، لكـن عـدالـة السـماء حكمـا إلهيـا لا يـراجع ولا يـؤجـل، ولا تشـبه الانتقـام البشـري، عـند تدخـل العـدالة الإلهيـة فهـي إعـادة ترتيـب لمـا حـدث، بـل إعـادة ترتيـب للمصـائر، فمـا كـان نهـايات هـو فـي الحقيقــة بـدايـات جـديـدة، عـدالة الله سـبحانه وتعـالي ليسـت تأخـيرا، بـل أعـداد وترتيـب للأحـداث والقـلوب والظـروف، حـق المظـلوم ليـس موقـف صـغير عـابر، بـل سـلسـلة كاملـة مـن الموازيـن، يجـب إن تعـود إلـي اسـتقامتها. فهنـاك أشـخاص يجـب إن تسـقط عنهـم الأقنعــة، وحقـائق يجـب إن تتضـح، ونفـوس يجـب إن تصــل إلـي أقصـي درجـات الغـرور قبـل السـقوط، السـقوط بعـد اكتمـال الغـرور يصـبح درسـا مكتـوبا فـي الذاكـرة والتـاريخ كعـبرة (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ. سـورة الـروم).

الصــبر عـلي الظـالـم ليـس فـراغ، بـل طـاقة خفيـة تتـراكم، ومشـاركة غـير مرئيــة فـي تطـبيق الســنن الإلهيـة. والنقـاء النفسـي فـي المعـادلة يجعـل تـدخـل العـدالة الإلهيـة حاســما، وهـذا هـو الفـارق بيـن الانتقــام البشـري الأعمـي، والعـدالة الإلهيـة الكاشـفة والفاصـلة بيـن الحـق والبـاطل (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ. سـورة الأنبيـاء 18).

الظـالـم يتـرك لـه الله سـبحانه وتعـالي المسـاحة الكافيـة ليتمـدد لا تكـريما، بـل لتوسـيع دائـرة السـقوط (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. سـورة الأنعـام 44)، فالعـدالة الإلهيـة لا تـريد إسـقاط فعــل مـا، بـل إسـقاط منظـومة كاملـة بنيــت عـلي الخطــأ. وفـي خـلال هـذه الفـترة يتـم أعــداد المظـلوم ليـري البشــر بـلا أوهـام، وبـلا تعـلق، ويـري نفسـه مجـردا بـلا أقنعــة. وعـند اسـترداد الحقـوق لا تعـود كتعـويض فقــط، بـل كمرحـلة جـديدة مـن الحيـاة بعـد جـلاء الحقـائق. المظـلوم الصـامت أقـرب إلـي المعيـة الإلهيـة والتدخـل الإلهـي، الظـلم الصـامت ليـس مجـرد حـزن مكبـوت، بـل طـاقة نفسـية هائلـة تتجمـع فـي الـداخـل، فيتحـول الألـم إلـي دعـاء نقـي غـير منطـوق ونـداء لا يحتـاج إلـي لغــة، وهـذه قـوة لا يـراها النـاس، بـل صـلة مباشـرة مـع الله سـبحانه وتعـالي.

الصـمت الطـويل يعـيد ترتيـب الـداخـل، فـيري المظـلوم العـاقل الأشـياء بعمـق، لفهـم ما فيهـا مـن مضـامين ومفاهـيم، ولهـذا الصـمت حمـاية إلهيـة، وقـد يسـميها البعـض ضـعف أو عجــز. الصـمت يعمـل كحـاجز يمنـع مـن الأنـزلاق إلي الهـاوية، فالصـامت يتنـازل عـن رد الفعـل الفـوري، لفـرط الثقـة المطلقـة فـي عـدالـة السـماء، والتـي هـي أكـبر مـن قـدرته الشـخصية، ولهـذا تـدخـل السـماء حتمـي.

أكتفـي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.

خـالـد عـبد الصـمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال