التوحيد والتسبيح والإستغفار(3) / خالد عبد الصمد

التوحـيد والتسـبيح والاسـتغفار (3).
التوحـيد الحقيقـي هـو قبـله المؤمـن العـاقل الـواعي المتـدبر المتأمل، والتســبيح هـو التـرديد اللسـاني وبوصـلة التـأمل والتـدبر فـي خـلق الله سـبحانه وتعـالي، وهـو مـا يمـلأ النفـس بالخشــوع والخضـوع للخالـق البـارئ المصـور. التوحـيد هـو الإقــرار الكـامـل بإن الله سـبحانه وتعـالي هـو الأول والآخــر (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. سـورة الحـديد 3). القـرآن الكـريم فيـه الحقـائق الـوجـودية التـي تقـوم عليهــا الحقـائق الأخـري، الملموســة والمرئيـة والمتصــورة عقليــا.
عقــل الإنســان محـدود وقاصــر مرتبــط بالـزمن، فكـل التجـارب الإنسـانية فـي الحيـاة تبـدأ وتنتهــي، وكـل شـئ مـدرك مرتبـط بقبــل وبعـد (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ. سـورة الملـك 2). لـذا عـند ســماع أو تـدبر إن الله ســبحانه وتعـالي هـو الأول، يسـقط تلقـائيا المعـني التقليـدي المرتبـط بالبعـد الزمـني، الـزمن ليـس أزليـا، بـل هـو جـزء الكـون المخــلوق، اســتخدام شــيئا لـه بـدايـة ولـه نهـاية، معيــار خـاطئ فالخـلق كـافة خاضــع لأجـل مسـمي (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ. سـورة الـزمـر 5).
الله سـبحانه وتعـالي عـندما يـربط خـلق السـماوات والأرض وتقـدير الأمـر، تقـدير الأمـر خـارج الـزمن "غـير خاضـع للتـزمن" وفـوق الـزمن نفسـه (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. سـورة السـجدة). الأوليـة هنـا ليســت زمنيـة، بـل وجـودية مطلقـــة.
الله سـبحانه وتعـالي خـالـق الشـيئية وخـالـق الســببية، فهـو لا يشـابه خلقــه، ولا يـدخـل فـي إطـارهم، ولا يحتـاج إلـي ما يحتـاجون إليـه (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. سـورة الأنعـام 18)، فالتنـزية الكـامل لله الخـالق البـارئ المصـور (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. سـورة الشـوري).
مـن الضـلال والغفـلة والغـي إســقاط مفاهـيم ومضـامين الـزمن والسـببية والشــيئية عـلي الله سـبحانه وتعـالي، ومـن يفعـل ذلـك فقـد ضـل ضـلالا بعـيدا، فقـد تـوهـم تكـوين إلـه متخيــل ليحـاج بـه أو ضــده، وهـذا ســوء فهـم لمعـني الإلوهيــة نفسـها. كـل شـئ فـي الكـون يحتــاج إلـي ســبب قبــله، فالأشـياء خاضـعة للـزمـن والسـببية، وقـد يكـون السـبب محتـاج إلـي ســبب أخــر، وهكـذا يبــدو الســبب تصــورا معقــولا، ومـع التـأمل العقــلي بعمــق، ســيؤدي ذلـك إلـي نفـي الـوجـود نفســه، أنمـا اليقــين يـؤكـد أن هنـاك واجـد لهـذا الكـون المفطــور عـلي قوانـين وســنن، لا يشــوبها الفوضـي أو العشــوائية (ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ. ســورة الأنعـام).
سـلسـلة الأســباب بشــرية، لكـن الـواجـد لا يحتــاج إلـي غــيره، ولا يســتمد وجـوده مـن شــئ، هـو فـوق الشـيئية وخالقهــا وفـق تقـديره ومـراده. وهنــا تتجـلي حقيقــة الله سـبحانه وتعـالي، فهـو واجــب الـوجـود الـذي لا يحتـاج إلـي ســبب.
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. ســورة البقـرة 255.
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ. سـورة الإخـلاص.
القـيوميـة هـي أسـاس كـل وجـود، الكـون يتغــير وكـل ما يتغــير لا يكـون واجـب الـوجـود، والكـون يخضـع لقوانيــن وســنن وفطــر، وما يخضــع لهـا لا يكـون مصــدر نفسـه، فالكـون ممكـن بـل واجـب العــدم وفـق مـراد الله ومشــيئته، لـذا يحتـاج إلـي واجـد ومـدبر للأمـر (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ
 (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. سـورة الطـور).
الله سـبحانه وتعـالي الأول والآخـر، فهـذا يعـني التخـلص مـن الـزمن والشـيئية والســببية، وجـوده ذاتـي قـائم بنفســه ومقــيم لغــيره (الصـمد)، وهـذا هـو الفـارق الجـذري بيـن الخـالق والمخــلوق. فكـل مـا هـو سـوي الله ســبحانه وتعـالي، وجـوده مسـتمد ومعـلق ومحتــاج (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. سـورة آل عمـران).
الأول والآخـر لا يقـع داخـل سـلسـلة الأســباب، بـل هـو مـن أوجـد السـلسـلة مـن العــدم (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. سـورة الـزمر).
الله سـبحانه وتعـالي هـو الأول الـذي لا قبــل لـه، وهـو الآخــر الـذي لا بعــد لـه، العـالم مصــيره الـزوال وكـل ما يحتـاج إلـي غــيره ســيفني يـومـا مـا، أمـا البـاقي لا يلحقـه فنــاء ولا يطــرأ عليـه تغــير (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. سـورة غـافـر).
وهـذه الحقيقــة هـي مـن تعطــي للـوجـود معنــاه، وللحيـاة غايتهـــا (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. سـورة القيـامة 36.
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. سـورة الرحمـن). الأول والآخـر هـي الثبــات المطـلق فـي وجـه الفنــاء، العقــل الـواعـي واليقــظ يرفـض أن يكــون الـوجـود معلقـــا فـي فــراغ، ويرفـض أن يكــون كـل شـئ بـلا واجـد. الله سـبحانه وتعــالي ذكـر لنـا البـداية،
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. سـورة الحـديد 4.
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. سـورة فصـلت.
وأمـرنا بالتـدبر والتـأمل فـي الخــلق،
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. سـورة العنكـبوت 20.
لـو لـم يكــن للـوجـود مـن يقيمــه مـا كـان، ولـو لـم يكـن لـه حافظــا مـا دام (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. سـورة هـود 123).
العقــل البشـري كـثيرا ما يخـدع الإنســان بما يسـمي الشـفافية، وهـي فـي الحقيقــة شــفافية معتمــة بلا رؤيـــة، وتقـود الإنســان إلـي الهـاوية تحـت مـزاعـم الأوهــام والضــلال.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خــالــد عــبد الصـــــمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال