قصة قصيرة 7عبد الرحيم الشويلي
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
عِنْدَمَا يَكُونُ الْكُرْسِيُّ الْمَعْدَنِيُّ شَاهِدًا...!!
لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا يَتَوَقَّعُ أَنْ تَكُونَ غُرْفَةُ الطَّوَارِئِ هِيَ الْمَكَانَ الْأَنْسَبَ لِإِعَادَةِ كِتَابَةِ الْمَاضِي.
جَلَسَا مُتَقَابِلَيْنِ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا كُرْسِيٌّ مَعْدَنِيٌّ بَارِدٌ، يُشْبِهُ تَمَامًا ذَلِكَ الصَّمْتَ الَّذِي تَمَدَّدَ بَيْنَهُمَا عِشْرِينَ عَامًا.
قَالَ الأَوَّلُ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي الأَرْضِ:
— لَمْ أَتَخَيَّلْ أَنْ أَرَاكَ هُنَا… وَلَيْسَ فِي مَكَانٍ أَقَلَّ… حَرَجًا.
ابْتَسَمَ الثَّانِي ابْتِسَامَةً قَصِيرَةً، كَأَنَّهَا تَمَرَّنَتْ عَلَى الْخَسَارَةِ:
— الطَّوَارِئُ مَكَانٌ مُنَاسِبٌ جِدًّا… كُلُّ شَيْءٍ هُنَا يَأْتِي مُتَأَخِّرًا… إِلَّا النَّدَمَ.
صَمْتٌ.
مَرَّتْ مُمَرِّضَةٌ مُسْرِعَةً، كَأَنَّهَا تَهْرُبُ مِنْ حِكَايَاتِ الْمَرْضَى لَا نَحْوَهُمْ.
قَالَ الأَوَّلُ:
— مَا زِلْتَ تَكْرَهُ الِانْتِظَارَ؟
— بَلْ صِرْتُ أُجِيدُهُ… تَخَيَّلْ، عِشْرُونَ عَامًا وَأَنَا أَنْتَظِرُ جُمْلَةً وَاحِدَةً لَمْ أَقُلْهَا.
رَفَعَ الأَوَّلُ رَأْسَهُ:
— أَيَّ جُمْلَةٍ؟
— "كُنْتُ مُخْطِئًا".
ضَحِكَ الأَوَّلُ، ضَحْكَةً جَافَّةً:
— تَأَخَّرْتَ كَثِيرًا… أَنَا قُلْتُهَا لِنَفْسِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ… لَكِنَّكَ لَمْ تَكُنْ هُنَا لِتَسْمَعَهَا.
نَظَرَ الثَّانِي إِلَيْهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
— كُنَّا أَغْبِيَاءَ.
— لَا… كُنَّا صَادِقِينَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي… وَهَذِهِ مُشْكِلَةٌ.
تَنَهَّدَ الأَوَّلُ، وَأَشَارَ إِلَى الْبَابِ:
— هَلْ تَعْرِفُ مَنْ فِي الدَّاخِلِ؟
— لَا.
— ابْنُكَ.
تَجَمَّدَ الزَّمَنُ لَحْظَةً… كَأَنَّ الْجُدْرَانَ نَسِيَتْ أَنْ تَتَنَفَّسَ.
قَالَ الثَّانِي بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
— لَمْ يُخْبِرْنِي أَحَدٌ…
— لِأَنَّهُ لَيْسَ ابْنَكَ فَقَطْ.
رَفَعَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ… تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي تَتَكَسَّرُ فِيهَا كُلُّ التَّفْسِيرَاتِ الْجَاهِزَةِ.
— مَاذَا تَقْصِدُ؟
اقْتَرَبَ الأَوَّلُ قَلِيلًا، وَهَمَسَ:
— هُوَ ابْنُنَا… ابْنُ تِلْكَ الْحَمَاقَةِ الَّتِي سَمَّيْنَاهَا يَوْمًا "كَرَامَةً".
صَمْتٌ ثَقِيلٌ… ثُمَّ ضَحِكَ الثَّانِي فَجْأَةً، ضَحْكَةً مَشْرُوخَةً:
— رَائِعٌ… إِذًا حَتَّى أَوْلَادُنَا وَرِثُوا أَخْطَاءَنَا دُونَ أَنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ!
رَدَّ الأَوَّلُ:
— لَا تَقْلَقْ… الْوِرَاثَةُ هُنَا لَيْسَتْ جِينِيَّةً… إِنَّهَا أَخْلَاقِيَّةٌ… تَنْتَقِلُ بِالصَّمْتِ.
مَرَّتْ لَحْظَةٌ أُخْرَى.
قَالَ الثَّانِي:
— هَلْ تَتَذَكَّرُ يَوْمَ افْتَرَقْنَا؟
— يَوْمَهَا اخْتَلَفْنَا عَلَى مَنْ يَعْتَذِرُ أَوَّلًا…
— وَانْتَهَى بِنَا الأَمْرُ أَلَّا يَعْتَذِرَ أَحَدٌ… فَاعْتَذَرَ الْعُمْرُ بَدَلًا عَنَّا.
ابْتَسَمَ الأَوَّلُ:
— الْعُمْرُ لَا يَعْتَذِرُ… الْعُمْرُ يَسْخَرُ.
— وَكَيْفَ؟
— بِأَنْ يُعِيدَنَا إِلَى نَفْسِ الْمَشْهَدِ… لَكِنْ بَعْدَ أَنْ نَفْقِدَ الْقُدْرَةَ عَلَى تَغْيِيرِهِ.
خَرَجَ الطَّبِيبُ أَخِيرًا.
وَقَفَا مَعًا… لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا… لَيْسَ كَصَدِيقَيْنِ، بَلْ كَشَاهِدَيْنِ عَلَى جَرِيمَةٍ قَدِيمَةٍ.
قَالَ الطَّبِيبُ:
— الْحَالَةُ مُسْتَقِرَّةٌ… لَكِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَسْوَأَ… لَوْ تَأَخَّرْتُمْ أَكْثَرَ.
نَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ… ثُمَّ قَالَ بِبُطْءٍ:
— سَمِعْتَهُ؟ حَتَّى الْمَوْتُ يَمَلُّ مِنَ الِانْتِظَارِ أَحْيَانًا.
مَدَّ الثَّانِي يَدَهُ… تَرَدَّدَ قَلِيلًا… ثُمَّ صَافَحَهُ.
قَالَ الأَوَّلُ:
— هَلْ هَذِهِ مُصَالَحَةٌ؟
رَدَّ الثَّانِي:
— لَا… هَذِهِ مُحَاوَلَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ لِتَقْلِيلِ الْخَسَائِرِ.
ابْتَسَمَ الأَوَّلُ:
— جَيِّدٌ… لِأَنَّ الصَّدَاقَةَ مَاتَتْ مُنْذُ زَمَنٍ.
— نَعَمْ… لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ إِنْسَانِيَّتَنَا… مَا زَالَتْ عَلَى أَجْهِزَةِ الْإِنْعَاشِ.
سَكَتَا.
ثُمَّ قَالَ الثَّانِي، وَهُوَ يَهُمُّ بِالْمُغَادَرَةِ:
— هَلْ تَعْلَمُ مَا أَسْوَأُ مَا فِي الْقِصَّةِ؟
— مَاذَا؟
— أَنَّنَا كُنَّا نَسْتَطِيعُ إِنْقَاذَ كُلِّ شَيْءٍ… بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ.
سَأَلَهُ الأَوَّلُ:
— أَيَّ جُمْلَةٍ؟
تَوَقَّفَ عِنْدَ الْبَابِ، الْتَفَتَ، وَقَالَ:
— "دَعْنَا لَا نَكْسَبِ النِّقَاشَ… وَنَخْسَرْ بَعْضَنَا".
ثُمَّ خَرَجَ.
بَقِيَ الأَوَّلُ وَحْدَهُ… يَنْظُرُ إِلَى الْكُرْسِيِّ الْمَعْدَنِيِّ.
اقْتَرَبَ مِنْهُ… وَلَمْ يَجْلِسْ.
مَدَّ يَدَهُ… ثُمَّ سَحَبَهَا، كَأَنَّ الْكُرْسِيَّ صَارَ فَجْأَةً شَاهِدَ إِثْبَاتٍ.
كَأَنَّهُ أَدْرَكَ أَخِيرًا…
أَنَّ بَعْضَ الْكَرَاسِيَّ لَا تُشْغَلُ…
بَلْ تُبْقِي مَكَانَكَ مَحْفُوظًا… لِتُوَاجِهَ نَفْسَكَ.
وَأَنَّ هَذَا الْكُرْسِيَّ تَحْدِيدًا…
لَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ جُلُوسَهُ…
بَلِ اعْتِرَافَهُ....!!.
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
23./آذار/مارس/2026م.
تعليقات
إرسال تعليق