الحقيقة تحت المجهر في العالم الرقمي / عبد الحميد محمد

(المقال طويل، لكنه مفيد، فأرجو قراءته)
*الحقيقة تحت المجهر في العالم الرقمي
(رحلة بين الزيف، وجوهر الحقيقة)
في عالم اليوم تتعدّد الروايات، وتطغى المصالح، ويتم استغفال العقول فيما يُعرض عليها من أفكار ومنشورات وأخبار، والتي تُقدَّم على أنها الحقيقة، بما تلقيه على الأسماع والأبصار من ظواهر وتُبرزها على أنها الحقيقة. وربما تبدو للقارئ العادي أنها حقيقية، وتُؤخذ من ظاهر الكلام، أو من أول ما يقع عليه السمع والبصر.
ولكن الحقيقة،اصبحت مفهومًا معقّدًا، يحتاج إلى فحصٍ دقيق وتفكيكٍ واعٍ يتجاوز ما يُقدَّم لنا على أنه "واقع حقيقي". وربما قد يكون محاطاً بهالات من التجميل، وهي مشوب بتأويلات خادعة و مقصودة، أو منقوصة في سياق الطرح. فما يُنقل وقد يبدو موضوعيًا، هو في الحقيقة مشحون بدوافع خفيّة: أيديولوجية، سياسية، ثقافية، أو حتى نفسية.
وهذا ما يجعل النظر إلى الحقيقة من خلال "المجهر العقلي" ضرورة معرفية ملحة ، لمعرفة الحقيقة، وإخراجها من وراء أقنعة الزيف والتضليل.
*كيف يتم تزييف الحقيقة؟
إنّ تزييف الحقائق لا يحدث دومًا بالكذب الصريح، بل قد يحدث عبر التضليل الناعم:
-اجتزاء النص،
-تحميل الكلمات ما لا تحتمل،
-المبالغة في تكبير الخطأ، وحين تُستغل الأخطاء الجزئية لتشويه الكُل،فتتحول الحقيقة إلى أداة في يد من يتقن صناعة الوهم
أو تقديم الجزئي على أنه كلّي.التركيز الانتقائي: إبراز ما يخدم فكرة معينة وحجب ما يعارضها
وهنا يتحوّل الوعي العام إلى ساحة تُدار فيها المعارك الخفية، لا بالسلاح، بل بالمعلومة الموجّهة.
---
الحقيقة ليست الواقع
من الضروري بمكان معرفة الفرق بين الواقع والحقيقة:
-الواقع هو حدث وقع،
-أما الحقيقة فهي قراءة الواقع الذي وقع لمعرفة أسبابه، وظروف حدوثه، ودوافعه.
فقد يكون الحدث صحيحًا ظاهريًا، لكنه خادع من حيث تفسيره وتأويله وطرحه للمتلقي.
---
مثال واقعي:
قد يتم نشر منشور في مواقع التواصل الاجتماعي، نرى فيه رجلاً مثلاً يضرب رجلًا آخر، أو امرأة تتعرض للضرب.
نحن من خلال ما نرى، نرى عنفًا، ومن هنا نستعجل بالحكم: المعتدي خاطئ – عاطفيًا.
-لكن تحت المجهر:
-ما السبب؟
-ما حدث قبل التصوير؟
-من بدأ؟
-ما نوايا الناشر؟
هنا تكمن الحقيقة، وهنا تظهر الفجوة بين الحدث ودواعي الحدث١.
---
كيف تعرضت الحقيقة هنا للتزييف؟
أُبيّن لك من خلال الآتي:
الاجتزاء: عرض جزء من المشهد.
التضليل المقصود: بما يخدم هدف الناشر (مثلاً كسب لايكات).
التضخيم والتهويل: بما يخدم فكرة معيّنة.
الاستثمار العاطفي.
*كل هذا يختفي وراءه دوافع:
-شخصية (التعصّب لموقف معيّن)،
-فرض تصوّر معيّن،
-سياسية (الترويج لسردية سياسية معيّنة).
---
تزييف الحقيقة: مهنة العصر؟
باختصار، أصبحت الحقيقة في العصر الحالي تخضع لتزييف ممنهج ومقصود، وأصبح التلاعب بها مهنة لدى البعض. يتم استغلال أفكار الجمهور المتلقي، ونشر الشائعات في المجتمعات، وخصوصًا في مواقع التواصل الاجتماعي، التي استغلّها أصحاب الأفكار المضللة، عن قصد أو اعادة النشر من بعضهم عن غير قصد.
إن تزوير وتضليل الحقائق يأخذ أشكالًا متعددة ومختلفة، لا يمكن سردها في مقال محدود، ولكن أردنا فقط أن نلفت النظر إلى بعض الجوانب، لشد الانتباه والاستفادة من بعض النقاط المطروحة.
---
القرآن الكريم وتزيف الحقيقة
أشار القرآن الكريم إلى، تزييف الحقائق من خلال سرد بعض المواقف والقصص، التي وردت فيه، والتي تتمثّل في الحديث عن النفاق والمنافقين، وكذلك في سرد قصة يوسف، والتي فيها من العِظات والعِبر للمتأمل ما يكفي لمن أراد التأمل.
ومن أعظم ما ورد فيها: عدم الحكم بالعواطف.
فأولئك إخوة يوسف، فعلوا بيوسف ما فعلوا، و...
"وجاؤوا أباهم عشاءً يبكون"
وهم الجُناة، ومع ذلك، ليستروا فعلهم، جاؤوا يبكون!
ولم يكن البكاء هنا مجازيًا، بل حقيقيًا!
وأيضًا امرأة العزيز ويوسف...
وها هم المنافقون:
"يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا..."
والآيات في القرآن الكريم كثيرة.
---
النتيجة: الحاجة إلى البحث والتقصي
من خلال ما استنتجناه:
يجب البحث والتقصي عن الحقيقة.
فالبحث عن الحقيقة بالمجهر العقلي ليست دعوة للتشكيك بكل الواقع، ولكن لكشف الزيف الممنهج.
وليست إنكارًا للواقع، بل مساءلة لما يُقدَّم على أنه واقع، لكي ترسو الأحكام على قاعدة يقينية، جليّة، عادلة.
---
ما هو تأثير تزييف الحقائق على الأفراد والمجتمعات؟
*عندما تستقر الأفكار على التصورات الخاطئة، وتُبنى المواقف عليها، تكون النتيجة ما يلي:
-فكر مشوش
-استعباد فكري«بمعنى يصبح المتلقي، ببغاء يردد ما يلقيه عليه الناشر دون وعى
-قرارات خاطئة،
-أحكام ظالمة،
ـ علاقات متوترة يسود فيها سوء الظن والتكهنات،
ـ بيئة خصبة للأفكار السامة،
عدم التمييز بين الحق والباطل،
وأشياء أخرى كثيرة.
---
العلاج: التثبّت كما أمر القرآن
*** . الإنصاف: شرط الوصول إلى الحقيقة
العقل المنحاز يرى ما يريد أن يراه، أما العقل المنصف، فيبذل جهدًا في الفهم قبل الحكم.
الإنصاف لا يعني الحياد المطلق، بل يعني أن تُحاكم الفكرة وفق منطقها، لا وفق موقع قائلها.
وهذا يتطلب:
التحقق من المصدر
فهم السياق قبل إصدار الحكم
البحث عن الصورة الكاملة، لا الجزء المُوجه منها
مراجعة الانطباعات الشخصية والميول الداخلي
الحقيقة لا تقف على باب العاطفة، بل تعبر من بوابة التأمل والتّريث
هناك آية قرآنية وضعت العلاج لمعرفة الحقائق وإصدار الأحكام:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...}
من خلال التأمّل في الآية الكريمة، نجد أنها وضعت القواعد لمعرفة الحقيقة، وما يُنقل، من خلال كلمة:
"فتبيّنوا"
وهنا، التبيّن ليس موقفًا عاطفيًا أو شيئًا يمكن تحقيقه بالعواطف والتكهنات، بل عملية عقلية من البحث والتقصي،
-صدق الخبر،
-وقته،
-دوافعه...
-من جاء به، وخلفياته الفكرية «عدالته الفكرية في النقد والطرح»
ليتم التثبت يقينًا مما يطرح
وبعدها يستقر اليقين بالتحقق من صدق الخبر، ويَعدِل الفكر بالحُكم.
---
خاتمة
الحقيقة لا تبرز ظاهريًا للوهلة الأولى، وخصوصًا في الواقع الإلكتروني المعاصر، فقد تداخلت المصالح بين المجتمعات والثقافات، بحيث أصبح كل طرف يلوي عنق الحقيقة بما يخدم فكرته ومصلحته.
فكم يبدو الزيف اليوم متزيّنًا بالفكر، مبهّرجًا، ومدعومًا بضجيج المنابر!
لكن الحقيقة، مهما حوصرت، لا تموت،
وما من ظلام من تزييف،
إلا ويكشفه بصيص ضوء من فكر منصف، وضمير حي.
صادق متجرد من الإنحياز ،،، يتبع
بقلمي عبدالحبيب محمد
من بحث العدالة الفكرية تأملات في الفكر والتصور
---

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال