الخائنة/عبد الكريم مدايني
***** الخــــــــــائنه *****
****** القصه الكــــــامله *****
****** بقلم : عبد الكريم مدايني ****
ظل يقفزُ درجات السُلّم نُزولا مَزْهُوََا سعيدا . كان ذلك اليوم عيد ميلاده الثاني والعشرون . لقد تزوّج منذ شهرين و سيقضي اول اعياده مع زوجتـــه ( نُزْهَه ) التي احبّها حبّا غامرا مُفاجئــــا - حبٌ من اوّل نظرة كان الامر أشبه بحلم وردي جميل ...
وصل الآن بوّابة العمارة حيت يقطُن . استعاد وقارَهُ وهيبتهُ ، رفع ياقة المعطف و اجتاز الشارع العريض . دلف قاعة الحلاقه المقابله ذات الواجهة البلّورية المّضاءة دائما التي تجانبُ مقهى الاحباب ثم محلات المجوهرات من الجهة الثانيه و دكاكين أخرى لم يُعٍرْهم كثيرَ إهتمامٍٍ ..
- صباح الخير.
ردّ الحلاق الذي كان منشغلا بمسح المقاعد و الكراسي ثم رفع بصره و رد َّالتحيّه ولم ينس ضحكته المجّـانيه و أجاب:
-صباح النّور .. - تفظل ..
وأضاف:
- كالعــــــــــاده ؟
جلس ( خالد ) وهو ينظر الى ساعة يده الثمينه في معصمه ، كان الحلّاق وكعادته كثير الحديث و الابتسام والثّرثرة و التوقُّف أحيانا ليتأمّل من بعيد نٍسْبيّا عمله و هو يوجه كلماته لخالد على المرآة العاكسه ...
- صحّه ، صحّه أخي خالد مُبارك لك.
- شكرا أخي .. أجاب خالد بعد ان ناول الحلاّق أجرته وودّعه على عجل بإشارة من يدهٍ ...
خالد مُوضّف في إدارة البريد آخر الشارع تحديدا من الجهة المقابلة للمبنى الفخم لوزاة الماليّه ...
الساعة الآن الثامنه تماما ...
كان خالد كل يوم يستيقظ مبكّرا يصلٍّي ركعتي الصُبح بينما تُحضر نُزْهه القهوه مع قطعتيْ مُرطبات أو خبز القمح والجبن ... يقبّلُ زوجته الحبيبه و يخرُج للعمل . أيام العُطل كان يصطحب عروسه في نزهة او زيارة سريعة للأهــــــــــل ...
.. في ذاتٍ يومٍٍ مُمطر ..
بعد أسبوع أو يزيد في ذلك اليوم المُمطر سارع خالد الخطى الى الحلاق كان يهزُّه إحساس و شعور خفي بسعادة تلك الأيام إنّه يدركُ ويَعٍي عظمة ونِعَم الله عليه ، كان يحمد الله عند الاستيقاظ، ويشكره على العافية و كمالٍ الرّزق. ذلك الاحساس ييمنحه طول الوقت السعادة والرضا وفرح الأيام .. أنّه ينْعمُ بالسّلام النفسيٍّ والراحـــــــة والغٍبطــــــه .
جلس على الكرسي بعد ان حيّا الحلاق و انتظر ان يرُد ذاك الاخير التحيّــــه .. إستغرب منه ذلك لأنه لم يتكلم .. فخيّر السكوت ولاذَ بالصَّمْت .
أكمل الحلاق قص الشعر و تصفيفه وشرع في التحضير فبدأ بغسل اللّحية وتنظيفها، و وضع زيت خاص لتنعيم الشعر وتغذية البشرة قبل التشذيب. أكمل كل ذلك دون كلام وكان خالد يراقب حركاته على المرآة امامه .. لقد غابت الابتسامه و اختفت الضحكات و توارت الثرثره خلف وجه عبوس و مُتجهٍّــــــــم ...
- مبارك أخي خـالد .
- أحسنت، وشكرا .. قال خالد ذلك و هو يُناولُه الأجره لكنه أردف في قلق و فُضول ..
- مالي اراك اليوم على غير عادتك ؟؟!!
نظر الحلاق لخالد برهه ثم تشجّع ليقول ..
- ساخبرُك أخي بأمرٍٍ وأرجو أن تُسـامحنـــي إذا كنتُ مُخطئـا ..
إزداد إهتمام خالد و نظر في وجه الحلاق بإمعانٍٍ وقال ..
- تفظّــــل .
سحب الحلاقُ يدَ خالد الى الخارج .. وعلى الرّصيف .. نظر يمينا ثم الى الجهة الاخرى حيت المقهى وقـــــــــال ..
- أنظر أخـــــــي .. ذلك الشاب الذي يرتدى زٍيّـــــــا رياضيّـــــا أنيقــــــا رمادي اللّون ...
نظر خالد .. حدّق مليّـــا ، كان شابا يبدو قصيرا قليلا ، يجلس على كرسي امامه ما قدَّر خالد ان تكون قارورةَ مشروبات غازيـــــه من النَوع الرّخيــــــص ..
هنا نطق الحلاق وقـــــــــال :
- أخي .. لقد لاحظتُ أن ذاك الشّــاب وكل يوم عند خروجك من مدخل العماره و حتى مغادرتك الحي للعمل يقف هو مُسرعا و يدخلُ من حيث خرجت انت من باب العماره ... قال الحلّاق ذلك ونظر لخالد ثم أردف ..:
- أرجوك .. إنــــــي لم أستطع أن أتغاضى أو أن أسكــــــــت ...
- أطرق خالد قليلا لقد أحسّ بدُوار طفيف وسرعان ما إستعاد حُضورهُ ، نظر في عيني الحلّاق امامه ولم ينبٍسْ بكلمه وتحرّك باتجاه مقرٍّ العمل وأشار لمحدٍّثه بيدٍهٍ انّه سيعودُ حـالاََ ...
أسرع الخُطى .. حتى غاب عن الانظار ... كانت انفاسه تتردّد في صدره حتى تكــــادُ تخنُقه ..وعلى عجلٍٍ عاد من طريق جانبيٍٍّ وسرعان ما مرَّ من أمـــــام الحلاّق .. نظر اليه في لهفـــةٍٍ و استٍجْداء .. هز الحلاق رأسه بالايجاب وكأنه يقول له ، نعم لقد دخل صاحبنا العماره منــــذ حيــــن ...
إتّجه خالد رأْسََا و مُسرعا للمدخل .. ووضع رجله على أوّل درجــــــات السُّلم وهو لا يلوي على شيئ ... في لمح البصر ودون ان يشعر وجد نفسه امام باب الشّقه في الطّابق الخامس حتى انه نسي إستعمال المٍصعَد .. دفع المفتاح بيدٍٍ مُرتعشة في المٍزلاج و أداره بصَبرٍٍ و تأنٍٍّ و رفق حتى لا يُحدٍث صوتا .. لقد أصبح الآن في البهْو الفسيح ثم، المَمرٍّ المُؤدّي الى غرقة النوم ... لكن تناهى إلى سمعه ما يشبه الهمهمة ثم ضحكاتٍٍ مكبوتــةٍٍ تنبعث من الغرفه الجانبيه آخرَ البهوٍ . تحرّكَ بحذر شديد حتى صار عند الباب تماما ... أمسك المقبض ثم في حركة مُندفعةٍٍ فتح الباب و تقدّم خطوتين داخل الغرفه ... ...
من هول المفاجأه إنتفض الجسدان العاريان تماما وهما يرتعشان بتوتُّــــر و وجلٍٍ وخوف .. كان الشاب فاغرا فاهُ لم يستطع الكلام ولا الحركه وقف مستسلما لقدره ملْتسٍقا بظهرهٍ الى الحائط في صمت مُريب بينما سحبت الخائنه بعْضََا من الرّداء الشفّـــاف على صدرها و رجليها ودموع تأبى النزول تملأُ عينيها وملامحُ المساحيق على وجهها قد غابت خلف مُحيّــــا يمْلأه الذعرُ والخوف و ثقــــلُ الانتضار ... سحب خالد نَفَسا عميقا وانتابه بُـــــرودٌ و هدوءُ اعصابٍٍ لم يعرفهُما من قبل ... تكلم مُوجها كلامه للشّاب وقـــــال له يأمره ان يلبس اثوابه .. حينها نطق الآخر وقال بصوت مهْتـــــزٍٍّ مُرتعــــشٍٍ بكلمات لا تكاد تُفهَــــم وقـــــال :
- سيدي، إسمح لى أن أرتدي ملابسي ولك أن تفعل ما تريدُ بعد ذلك سيدي .
- أجاب خالد ببرودٍٍ و بابتسامةٍٍ صفراء وبسخريّة مَريره ..
-تفظــــــــل ..
قفز الشاب و أدخل نفسه في أثْوابه بلا ترتيــــبٍٍ وعلى عجلٍٍ وبارتبــــاكٍٍ و خوف .. ثم وقف خاضعا ومُذعٍنا و مُستسلٍما ..
لكن خالد مدَّ كفه إليه قائلا :
- لقد تمتَّعْت بكل هذا الجمال والآن عليك ان تدفع ثمن ذلك ولك ان تحدٍّد بنفسك مقدار ذلك ...
إرتجف الشاب و أجهش بالبكاء وهو يتوسَّل مُطرقا رأسه .. لكن خالد طمْأنه و قال بحزم :
- ألا يساوي هذا الجمال عندك أيَ شيئ؟
تمتم الشاب وراح يبحث في كل جيوبه بيدين متردٍّدَتين مرتعٍشتين فلم يعثُر إلا على دينارٍٍ مثقوب وضعه في يد خالد الذي راح يهزه فالهواء و يقلٍّبـــــه وقـــــال :
- أنت أناني و بخيل .. كل هذا الجمال لا يساوي عندك إلا هذا المثقوب ؟... ثم افسح للشاب وترك له الطريق للخروج .. لم يصدٍّق ذاك الأخير الأمر فتحرّك بخطوات متثاقله نحو الباب المفتوح ثم خرج مسرعا غير مُصدٍّق ما يحــــــــــدث .
بعد ذلك .. نظر خالد للمرأة الماثلة امامه بتك العينين الجاحظتين واليدين المرتعشتين ولم يقل شيئا .. خرج بصمت ..خرج وعلى كتفيه همــــوم كل الايام و عقله يبحث الف حلٍٍ و يدرُس الف سؤال ...
لم يتكلم خالد ابدا في الموضوع مما اقلق نُزهه .فسكوته يقتلها يُشعرها بعدم الأمان و إحساسها الذّاتي و المتواصل بالدُّونيّه و بأنها اصبحت حقيقة خارج دائرة الاهتمام و هي ترى بوضوحٍٍ انها لم تعُد من ضمن الاهتمامات الأولي لخالد ...
.. كان خالد في تلك الأيام قد إلتزم سياسة التّعذيب النّفسي والذّاتي يكلٍّمها باقتضاب ، لا يأمرْ بشئ، لايَطلب شيئا .. لا يعلّق بالحديث على أمر ، لا يشاورُها بأمرٍٍ .. لقد أصبح لا يكره شيئا ولا يحبُّ شيئا ... لقد فقد إحساسه ببهرج الحياة و نسي شغفه بمعنى الأيام و العيش ... بينما راحت هي تتفانى بالاحاطة به و العمل على توفير أسباب الراحة له .. تُفيق صباحا قبْله .. تُحظرُ إناء الوضوء وتغسل رجليه و تنشفهما و قد إستعدّت لتعينه بارتداء ملابسه و تضع العطر و تمسح الحذاء هذا بعد ان تكون قد إحضرت الفطور و كأس العصير المُحبّب لديــــه كــــل يــوم ...
وتمضـــــــــــــي الايــــــام رتيبـــــــةً وبـــــلا طعــــــــمٍٍ ...
في عطلة آخر الاسبوع ، في يوم ربيعي ، في يوم دافئ قام باستدعاء حماه وحماته و إخوتها وكل أفراد عائلة أبيه وقال لها ان الجميع سيتناولون الغداء ذلك اليوم عندهم .. ..
كانت الوليمةُ بكل المقاييس مأدُبةً فاخرةً بما لذّ وطاب ولقد ساعد بنفسه في تحضير المنضده في قاعة الجلوس الواسعه التي تطلُّ الشرفة فيها على الشارع المزدحم . وجلس الجميع لتناول الغداء وكان قد تصدّرَ هو المكان بينما جلست -نزهه - في الطرف الآخر من الجهه المُقابله له حول المنضده الطويله ..
ولمّا إستقرّ الجميعُ و همُّوا بتناول الأكل وقف خالد و أخرج من جيبه دينارا مثقوبا وقـــــــال :
-ما رايُكم أن أحكي لكم حكاية هذا المثقوب الذي ترونه هنا ..فالحكاية ستفتح شهيّتكم للاكل ؟ ..
إنتبه الجميع و قالو له بصوت واحد ..:
- تفظل نحن نسمع ..
قــــــال :
إن لهذا الدينار المثقوب حكايةًَ شيٍّقة ... ولكني لا أعرف القصة من البدايه وأن نُزهه تعرف الموضوع أكثر مني ومـــــن البدايـــــه !! .. ثم القى الدينار لنزهه فوقع في يديها ... إنتفضت في ذعرٍٍ ..
بينما وضع الجميع الملاعقَ والسكاكين و استداروا ناحية الخائنه و بلهفة هتفوا :
- قصٍّي علينا الحكاية من البدايه ، هيّـــا يا نُزهـــــــه ، من البدايه..
- بصمتٍٍ ثقيلٍٍ و دون تردّد نظرت هي في كل الوجوه حولها وفي كل العيون المتسائله ثم دفعت الكرسي خلفها بهدوء مشوبٍٍ بتوتُّر واستدارت بسرعة وإندفعت نحو الشرفه في حركة جعلت الجميع في دهشة و ذهول و القت بنفسها من على الواقي الحديدي الى الشارع المُزدحم ... .... . .
*** النهـــــــــــايه * *** *
****** عبد الكريم مدايني.** 2003 ** .
تعليقات
إرسال تعليق