يوم التخرج /زياد أبو صالح
يوم التخرج ... !!!
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
لم تكن فرحة " سامر " مُجرد يوم في التقويم ، كانت تلك الفرحة التي تُنحت في الذاكرة بماء الذهب . ففي الصباح الباكر، كانت ساحات التخرّج تتهيأ لعرسٍ من نوع آخر؛ عرسٍ لا تُزفّ فيه العرائس، بل تُزفّ فيه الأحلام بعد طول سهرٍ وتعب . الآباء والأمهات جاؤوا يحملون الحلوى، وأكاليل الورد، وقلوبًا امتلأت رجاءً وامتنانًا،ينتظرون اللحظة التي يرون فيها أبناءهم بلباس التخرّج، وقد عبروا واحدًا من أهمّ جسور الحياة.
في ذلك اليوم، كان سامر واحدًا من أولئك المنتظرين في أعين أهله قبل أن يكون واحدًا من الخريجين. أربع سنوات وأهله لا يدّخرون وسعًا في سبيله؛ يدفعون الأقساط، ويوفّرون الكتب، ويتحمّلون أجرة السكن والمواصلات، ويضعون في يده ما يحتاجه من مصروف، وهم يخفون عن وجهه ضيقهم أحيانًا، ويظهرون له دائمًا وجه الرضا والثقة، حتى لا يشعر يومًا أنه أقل من غيره. كانوا يرون في تعليمه مشروع عمر، لا مرحلة عابرة. وقد سمعوا، كما يسمع كثير من الناس، عن طلبةٍ أضاعوا أعمارهم وأموال أهاليهم؛ بعضهم طال به الطريق حتى نسي لماذا بدأ،وبعضهم انصرف إلى اللهو، وبعضهم عاد إلى أهله بلا شهادة، ولا ثمرة، ولا حتى عذرٍ يليق بما أُنفِق عليه من عمرٍ ومال.
ولهذا كان فرح أهل سامر مختلفًا؛ فرح من رأى تعب السنين يتجسّد أخيرًا في ثمرةٍ ناضجة. وحين دخل موكب الخريجين، انتفضت القلوب قبل الأجساد. وقف أهل سامر على أطراف الشوق، يمدّون أعناقهم بين الصفوف، يفتّشون عنه كما يفتّش الغريق عن أول نفس نجاة. وما إن لمحوه بلباسه الأسود وقبعته المائلة قليلًا، حتى انفرجت وجوههم كأن الشمس أشرقت في داخلهم. أخذوا يهتفون باسمه، ويلوحون له بإكليل الورد، ويبتسمون والدموع تسبق الكلمات إلى العيون.
توالت الكلمات على المنصّة؛ كلمات عن العلم، وعن المستقبل، وعن الواجب تجاه الناس والوطن. لكنّ أحدًا من الأهالي لم يكن يسمعها كاملة؛ فلكلّ واحد منهم خطابٌ آخر في قلبه، لا يُقال على الميكروفون: الحمد لله... لم يذهب تعبنا سدى.
ثم بدأت لحظة المناداة على الأسماء.ومع كل اسمٍ كان يرتفع صوت من هنا، وزغرودة من هناك، وتصفيقٌ يختلط بالبكاء والضحك معًا. حتى إذا جاء اسم سامر، شعر أهله أن الدنيا كلّها قد نطقت باسمه. صفّقوا بكل ما فيهم، لا بأيديهم فقط، وبكوا كما يبكي من رأى ثمرة صبره بعد طول انتظار.
وبعد أن تسلّم الخريجون شهاداتهم، وارتفعت القبعات في الهواء، انفكّت الصفوف، واندفع الأهالي نحو أبنائهم في مشهدٍ يشبه الرجوع من سفرٍ طويل. عانق أهل سامر ابنهم عناقًا امتزج فيه الفخر بالتعب، والفرح بالدموع، والسكوت بكل ما لا تستطيع اللغة قوله. قبّل سامر يدي والديه وجباههما، في حركةٍ صغيرة، لكنها كانت أبلغ من خطبٍ طويلة؛ فقد عرف أن هذه الورقة التي يحملها لم تُكتب بحبر الجامعة وحده، بل كُتبت أيضًا بعرق أبيه، ودعاء أمّه، وصبر البيت كلّه.
تحوّلت ساحة التخرّج إلى عرسٍ شعبي كبير؛ أغانٍ، وزغاريد، وضحكات، وأكتاف تحمل الخريجين كأنهم عادوا من معركةٍ منتصرين. وكان أهل سامر يلوّحون بالكوفية، ويردّدون مع الآخرين الأغنية التي يحبونها :" عليّ الكوفية ولولح فيها ... وغني عتابا وميجانا وسامر فيها "، وقد اختلط اسم ابنهم في قلوبهم باسم الفرح نفسه.
وحين انتهى الاحتفال، لم يشاؤوا أن تنتهي الفرحة معه. مرّوا على محلّ الحلوى، واشتروا ما تيسّر، وركبوا سيارتهم وهم يرفعون صوت الأغنية، ويلوحون بالكوفية في الطريق، حتى وصلوا البيت.
كان الأهل والجيران بانتظارهم، كي يباركون لسامر، بدا وكأنه يعود من رحلة طويلة إلى حضنه الأول ، عانقهم واحداً واحداً ، ثم انحنى يقبل يدي والديه ، في مشهد أبكى من حوله قبل أن يبكيهم .ودعوا له بمستقبلٍ يليق بما وصل إليه. وهنا فهم الجميع أن التخرج لم يكن مُجرد شهادة ، بل كان برهاناً على أن التضحية حين تكون صادقة ، فإن الفرح بها يكون أعظم .
بعد منتصف الليل ، جلست الأم وحدها في غرفة سامر ، فتحت درج مكتبه ، فوجدت صورة قديمة له وهو طفل صغير يرتدي الزي المدرسي ، بكت قليلاً ، ثم ابتسمت ، وكتبت على ظهر الصورة :" اليوم تخرج ابني ... وغداً سيكون استاذاً بإذن الله .
تعليقات
إرسال تعليق