القرآن الكريم والنماذج / خالد عبد الصمد

القــرآن الكـريـم والنمـاذج.
ذكــر القـرآن الكـريم العـديد مـن الأشـخاص والأقـوام، بـم يذكـرها القـرآن الكـريم كمجــرد قـصص لشـخصيات وأقـوام عاشــوا فـي التـاريخ وأنتهــوا. عـلي ســبيل المثــال الـذي حـاج نـبي الله إبراهـيم عليـه السـلام فـي ربــه، فــرعون، هـامـان، قـارون، الســامري وغـيرهم الكـثير. هـذه الشـخصيات لـم تـذكـر عبثـــا، ومـا هـي إلا مجــرد نمــاذج تتكــرر فـي كـل زمـان ومكـــان.
مـن الغريــب عـند قــراءة أو ســماع هـذه الآيــات المتعلقــة بهـذه النمــاذج، يظــن البعــض أنـه غــير معــني بهــا، وعـندما يســمع يا أيهـا الذيـن أمنــوا قـد ينتبــه البعــض، عـلي اعتبــار أن السـامع مـن زمــرة الـذيـن أمنــوا.
أكـررها آيـات القـرآن الكـريـم لـم تذكــر هـذه النمـاذج عبثـــا، بـل أراد الله سـبحانه وتعـالي أن ينبهنـــا عـلي قضــايا فـي غـاية الأهميـــة، فـي صــناعة ويقظــة الـوعـي اتجــاه الواقــع، ولإصــلاح النفـس عـندما تـزيغ القــلوب.
وهـذه النمـاذج يجـدد منهــا الـواعي والعـاقـل وعيــه، فلا يتبــع مـا اتبعــه الأقـدمـون، وهـذا لاجتنــاب حـلول الســنن الإلهيــة الكونيــة الـتي حلـــت بالأقدمــين.
عـندما يقــول الله ســبحانه وتعـالي (وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. ســورة البقــرة)، هـذا تنبيــه وتحـذير لكـل عـالـم وباحــث ومثقــف ومـتدبر، أن تجتنــب شــراء المـال والســلطة وغــيرها بآيــات الله.
هـذه النمـاذج تفســر مـا يحيــط بالمجتمعــات الآن، تفســـر الظـواهـر الإنسـانية والاجتمــاعية بشــكل عـام وشــمولي، عـند حســن التـدبر وأخـذ المعــاني الشــمولية. الـواعـي والعـاقـل يحـول الأشــخاص فـي المحيــط إلـي نمــاذج، ويســتخرج خصــائص هـذه الشــخصيات، ليكــون التعــامل معهــا عـلي عـلم وبالوســائل المناســبة. وهكــذا يتحــول التـدبر مـن غـايـة إلـي وســيلة، للاســتهداء بنــور الحقيقــة لإصــلاح الـواقـع، بعــيدا عـن الظــن والغيبـــة وغــيرها. وفـي حســن التدبــر يـتم صــناعة الـوعـي وفــق المنظــور القــرآني، وتـوخي الحــذر مـن المعــلومات الغــزيرة المنتشــرة، المعــلومات لا تصــنع الـوعـي، لكــن الفهــم هـو مـن يصــقل الـوعـي. ويجــب عـدم الانخــداع، فالفــارق شــاسـع بيـن مـن يلبــي الاحتيــاجات وبيـن مـن يصــنع الاحتيــاجات. الـواعـي والعــاقـل هـو مـن يقــدر ويثمـــن، القيمــة الحقيقيـــة فـي الجـوهـر بعــيدا عـن نظــام التســليع، الـذي يخــدع القطــيع دائمـــا. الباحــث والمثقـف عليـه صــقل وعيــه أولا، ثـم يبحــث ويركـز عـلي ما يصــنع ويصــقل وعـي النـاس.
وفـي النهــاية، فـإن الـوعي في المنظــور القــرآني لا يبنـى عـلى تـراكـم المعــلومات، بـل عـلى الفهـم، والتدبــر، والقــدرة عـلى تمييــز القيــم والمعـاني خلـف الظــواهر. ومـن هنــا تتضــح الفجـوة بيـن مـن يكتــفي بتلـقي المعلــومات، ومـن يسـعى إلـى بنــاء وعـي نقــدي قــادر عـلى قــراءة الــواقـع وتوجيهــه. وقـد قـال الرســول الكـريم صـلي الله عليـه وسـلم.
لا أقولُ لَكُم إلَّا كما كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ؛ كان يقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ العَجزِ والكَسَلِ، والجُبنِ والبُخلِ، والهَرَمِ، وعَذابِ القَبرِ، اللَّهمَّ آتِ نَفسي تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وليُّها ومَولاها، اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن عِلمٍ لا يَنفَعُ، ومِن قَلبٍ لا يَخشَعُ، ومِن نَفسٍ لا تَشبَعُ، ومِن دَعوةٍ لا يُستَجابُ لَها.
الــراوي: زيـد بن أرقــم والمحــدث: مسـلم والمصـدر: صـحيح مسـلم وخلاصـة حكـم المحــدث: صــحيح.
خـالـد عـبد الصــمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال