لماذا غاب فهم القرآن الكريم/خالد عبد الصمد

 لمـاذا غـاب فهـم القـرآن الكـريـم (12).

مـن أدوات الشــيطان للإلهــاء التســويف، ليبتعــد الإنســان عـن التغــيير. الإنسـان قـد لا يرفـض الخــير، لكنــه يؤجـلة وهنـا تكمـن الحيـلة الشـيطانية. التســويف فيـه التأجيــل للتــوبة والاقتــراب، وفـي هـذا قـال الله ســبحانه وتعـالي (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. سـورة الحجـر 3).

الأمـل فـي الآيـة ليـس الأمـل الجميــل، بـل تأجيــل الإنسـان لمواجهــة الحقيقــة مـع نفســه، وفـي هــذا الـوهـم والســراب.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ. سـورة النـور.

مـا تؤجـله النفـس اليـوم، ســيعود إليهـا أثقــل غــدا، الأشــياء التي يتـم الهـروب منهـا لا تختفــي، بـل تبـقي فـي الـداخـل تنمــو فـي صــمت، وعـندما يعتــاد الإنسـات التـأجـيل يفقــد الرغبــة فـي التغــيير، والغفــلة دائمـا تبـدأ بســوف بـدلا مـن الآن. وفـي الغفـلة النـدم والحســرة ولهـذا نبهنــا الله سـبحانه وتعـالي عـن الغفــلة لكـل غـافـل.

حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. سـورة المؤمنـون.

وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10)  وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. سـورة المنـافقون.

والشــيطان يحـاول ابتــلاع الإنســان فـي تحـويل الذنـب إلي يـأس، يســتغل لحظــة الخطـــأ، فيقنــع العاصـي إنـه لا أمـل مـن العــودة، ولهـذا الوسـوسـة بعـد الذنــب، أشـد وطــأة عـلي النفـس مـن الذنــب. وقـد ضـرب الله سـبحانه وتعـالي الأمثـال فـي ذلـك ومنهــا (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. سـورة الأعـراف).

ولهـذا يحـذرنـا الله سـبحانه وتعـالي وينبهنـــا أنـه أشــد قــربا للإنســان فـي كـل حـالاتـه، شــرط أن يعــود الإنســان إليـه طالبــا العفــو والرحمـة والمغفــرة.

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)  وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ. سـورة الـزمـر.

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. سـورة البقـرة 186.

عنـدما يتحـول الذنـب إلـي ظلمــة دائمـة فـي القلــب، أصـيب الإنســان بـآفـة اليـأس الطـويـل، فيبتعــد عـن النــور مـع إنـه يـريد العـودة إليـه فطــريا (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. سـورة الفـرقان 44).

لذلـك الـواعـي والعاقـل يفــرق بيـن النـدم الـذي يـوقـظ قلبـــه، واليـأس الـذي يـدمـره، فمـع اليـأس يكـره الإنسـان نفسـه بـدلا مـن الأنـس بهــا.

الشـيطان لا يهتـم كـثيرا بالشـكل الظــاهري، بـل يهتـم بالحـالة الداخليــة، فهــو لا يقــوي عـلي المـادية، بـل يجـذب النفـس بعـيدا عـن المـادة، ليتـم التنكيــل بكلاهمـا. ينتهــز الفرصــة عـندما يصـبح الإنســان غـافـلا عـن نفسـه، وقـد حـذرنا الله سـبحانه وتعـالي بـل وأعطـي الإنســان التـرياق لهـذه الآفــة (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ. سـورة الأعـراف 205).

الغفــلة ليسـت مجـرد نســيان أو ســهو عـابـر، بـل حـالـة يعـيش فيهـا الإنســان دون حضـور حقيقــي (ســبات)، يتحـرك ويعمــل ويتكـلم ويضــحك، لكـن نفســه بعـيدة فـي غيــاب تــام، عــندما تصــاب النفـس بهـذه الآفـــة، يغــلق القلــب بـابه عـلي الظلمـات، فينطفــأ نــور العقــل فتصــاب البصـيرة بالعمــي. وهنــا المشــكلة أن يعيـش الإنسـان عمـرا كـامـلا، دون أن يعـرف نفسـه، وهنـا تصــبح الحيــاة كلهــا مجــرد حـركـة بـلا وعــي "دميــة تتحــرك بـلا ضــوابط داخليـة".

ولهــذا الـواعـي والعـاقـل، يخـاف مـن اعتيـاد الحيــاة، أكـثر مـن خـوفـه مـن بعـض الـذنـوب الظـاهرة. فمـع اعتيــاد الضـوضـاء يفقــد المـرء القـدرة عـن السـمع والاسـتماع والقـراءة والتـلاوة والترتيــل والـذكـر والتـدبر والاســتنباط.

ومـن اعتـاد الضـوضـاء يهـرب مـن الســكينة والطمأنينـة إلـي المـزيد مـن الضـوضـاء، وأخطــر النـوم هـو تنــام النفـس وصـاحبها مســتيقظ بـلا بوصـلة وبـلا رؤيــة، وإذا غفــل القلــب دخلــت الظلمــة بلا مقــاومة.

الشـيطان مـع الإنســان البعـيد عـن الصـراط المســتقيم، يسـتخدم الشــهوات الواضـحة والزينــة، أمـا مـع الإنسـان القريـب مـن الله سـبحانه وتعـالي، تكـون الوسـوسـة أكـثر خفــاءا وتعقيــدا. يسـتخدم الغــرور النفسـي، والخـوف المرضــي، والـريـاء الخفــي، واحتقــار النـاس، وأحيـانا جلـد الـذات المسـتمر بأسـم التقـوي والـزهـد والتصــوف.

الـواعـي والعـاقـل قـد ينتبــه إلـي ذنبــه بســهولة، لكــن قـد لا ينتبــة إلـي الكـبر الخفــي، فصــورة النفـس المتخيـلة إذا رأتهـا النفـس وفـق مـرادها، ابتعــدت عـن الصـفاء الحـقيقي، واتخـذت مـن الـوحـدة والعـزلـة ملجــأ وســجن. ولقـد نبهنــا الله سـبحانه وتعـالي لذلــك.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. ســورة المجـادلة.

فالشــيطان يـريد أن يبقــي الإنسـان حزينــا و منطــفئ مـن الـداخــل، ومـع طـوال الانعــزال داخــل الخـوف والخـواطـر، تـأكـل النفـس نفســها فـي صــمت. ومـع انقطـاع النــور والرحمـة والصـحبة الطـيبة عـن القلــب، يشــتد عليـه الوسـاوس والحجــب. ومـع انغــلاق النفـس عـلي نفســها طـويـلا، تـذبـل فـي صــمت وتعمـي عـن رؤيــة الحقيقــة.

الـواعـي والعـاقـل يـدرك أم الوسـاوس لا تختـفي تمـاما، فهـي جـزء مـن التجـربة الإنســانية، فالمشـكلة ليســت المـرور بالفكـرة، بـل فـي أن تتحــول الفــكرة إلـي عـزم وفعـــل، فتصــير بيــت دائـم داخـل القلـــب، يســكن فيهـا الظـلام بـدلا مـن النــور.

أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.

خــالــد عــبد الصـــــمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال