هنا نابل /المعز غني

 هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي

ليتني أمتلك صيدليةً خياليةً نادرة


ليت في هذا العالم صيدليةً لا تُشبه سائر الصيدليات، لا تُباع فيها الأدوية الكيميائية، ولا تُصرف بوصفات الأطباء، بل تُفتح أبوابها لكل روحٍ أنهكها التعب، ولكل قلبٍ أثقلته الحياة، ولكل إنسانٍ يبحث عن شيءٍ لا يُصنع في المختبرات، بل يولد من دفء الإنسانية وصدق المشاعر.


ليتني أمتلك تلك الصيدلية...


أبيع فيها كتفًا صادقًا لمن ضاقت به الدنيا، وذراعًا قوية يستند إليها من أتعبه الطريق، فكم من إنسانٍ لا يحتاج المال بقدر حاجته إلى شخصٍ يقول له: "أنا معك."


وأبيع صندوقًا من الابتسامات، تؤخذ ثلاث مرات في اليوم، قبل الفطور وبعد الغداء وقبل النوم، لتعيد للنفس شيئًا من بهجتها، وزجاجةً من الدموع الصادقة تُستخدم عند الحاجة، لأن البكاء أحيانًا ليس ضعفًا، بل علاجٌ يغسل القلب من أوجاعه.


وعلى تلك الرفوف الصامتة، سأرتب كل ما تشتاق إليه الأرواح التي جففتها قسوة الأيام، وكل ما أفتقدته النفوس في زمنٍ أصبحت فيه المشاعر عملةً نادرة.


سأبيع حبة تعاطف لأولئك الذين ماتت قلوبهم وجعًا، لعلها تعيد إليهم الإحساس بأن العالم ما زال يحمل شيئًا من الرحمة.


وسأبيع شرابًا مقويًا للقلب، لا يزيد نبضه فقط، بل يقويه على مواجهة الخيبات، ويمنحه القدرة على النهوض بعد كل أنكسار.


وسأخصص ركنًا كاملًا للصقات الجروح غير المرئية، تلك الجروح التي لا تراها العيون، لكنها تسكن الأعماق، وتتركها الكلمات الجارحة، وخيبات الثقة، ووحشة الفراق.


وسأبيع حبة أمل لمن فقد طريقه، وحبة محبة لمن أنهكه الجفاء، وحبة فرح لمن نسي طعم الإبتسام، وحبة تفاؤل لكل من يظن أن الغد لن يكون أجمل، مع أقراص سعادة طويلة المفعول، تدوم ما دام الإنسان يصنع الخير ويزرع المحبة.


وسأضع في واجهة الصيدلية لمسة حنان تُؤخذ قبل النوم، وكلمة صديق تُستخدم عند الأزمات، ومطهرًا للنفوس المصابة بالحقد واليأس، وقارورةً للألم مكتوبًا عليها: "تُحفظ بعيدًا عن متناول الأطفال، وبعيدًا عن كل قلبٍ بريء."


وسأعلق عند بابها لافتةً صغيرة تقول:


"الدواء الحقيقي ليس ما يُبتلع، بل ما يُشعر الإنسان أنه ليس وحيدًا في هذا العالم."


فكم نحن بحاجة إلى جرعات من الرحمة، أكثر من حاجتنا إلى كثيرٍ من العقاقير، وكم من كلمة طيبة أنقذت روحًا، وإبتسامة صادقة أعادت الحياة إلى قلبٍ كان يذبل بصمت.


ليت هذه الصيدلية كانت موجودة فعلًا... لكن الحقيقة الأجمل أن كل واحدٍ منا يستطيع أن يكون جزءًا منها؛ بإبتسامة، بكلمة، بموقف، أو بيدٍ تمتد في الوقت المناسب.


فلنكن دواءً لبعضنا، قبل أن نبحث عن الدواء لأنفسنا... فالحياة تمضي، لكنها تصبح أجمل حين نتقاسم فيها الرحمة والإنسانية.


وتستمر الحياة...


بقلم المعز غني عاشق الترحال وروح الاكتشاف


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال