بائع العنب / زياد أبو صالح

بائعُ العِنَب ...!!!

                     بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸 

     في القرية الممتدة بين التلال وكروم العنب، عاش "فالح" حياةً بسيطةً في بداياتها. كان فتىً قويَّ البنية، خشنَ الكفين، يرافق والده منذ طفولته إلى الحقول، حيث تتدلّى عناقيد العنب الثقيلة تحت شمس الصيف، وتفوح رائحة التراب المبلل بندى الفجر.
     لكنّ "فالح" لم يُكمل دراسته. ترك المدرسة في المرحلة الإعدادية، ومضى يرعى الأغنام مع والده الذي امتلك عشرات الدونمات المزروعة بالكروم المثمرة. ومع مرور السنوات، تعلّم قيادة المركبات، فدعمه والده واشترى له شاحنةً كبيرة، ليتحوّل الفتى الريفي إلى ناقلٍ معروفٍ للعنب بين القرى والمدن.
     أخذ شقيقه الأصغر مكانه في رعي الأغنام، بينما انشغل "فالح" بجمع المحاصيل ونقلها. ولم يلبث أن وجد باباً واسعاً للربح؛ فقد صار ينقل عنب المزارعين إلى الخمّارة، وهناك كانت الأموال تتدفّق إليه بسرعةٍ لم يعهدها من قبل.
     كان الناس ينصحونه كثيراً. يقولون له: "اتّقِ الله يا فالح... هذا رزقٌ تختلط فيه الشبهة بالحرام." لكنه كان يهزّ كتفيه باستخفاف، ويردّ بثقةٍ متعالية: "أنا لا أصنع الخمر... أنا مجرد ناقل."
     ومع ازدياد المال، اتسعت أحلامه. اشترى قطعة أرض واسعة، أحاطها بالسلاسل الحجرية، وغرس فيها أشجار العنب. ثم تزوج، ورُزق أولاداً وبنات، وظنّ أنّ الدنيا قد فتحت له أبوابها كلها. وكان كل موسم عنب يمرّ عليه، يحمل معه المزيد من المال...
والمزيد من الغفلة.
     وفي صباحٍ ثقيلٍ كئيب، تغيّر كل شيء. أصيب ابنه الأصغر بمرضٍ غامض. كان فتىً جميلاً؛ أشقر الشعر، واسع العينين، أبيض الوجه، طويل القامة، كأنّه غصنٌ غضٌّ من شجرة حياةٍ يانعة. لكنّ المرض بدأ ينهش جسده بصمت.
     تنقّل "فالح" بابنه بين الأطباء، حتى جاءت الصدمة القاسية: السرطان... شعر يومها كأنّ الأرض انسحبت من تحت قدميه.
     سافر إلى الأردن، وأدخل ابنه إلى مركز علاج السرطان. استأجر شقةً صغيرة قريبة من المركز، ليبقى هو وزوجته إلى جانب ولدهما المريض. وهناك بدأت رحلة العذاب الطويلة. كانت أيامه تتحوّل إلى ممرات مستشفيات، وروائح أدوية، ووجوه شاحبة تنتظر المجهول. وكلما سمع عن معالجٍ بالأعشاب، هرع إليه كالغريق المتعلّق بقشة. مرةً في شمال العاصمة، ومرةً في جنوب الأردن، وأخرى في مدينة بعيدة.
    كان يستقل سيارات الأجرة، ويدفع المال بلا حساب، ويعود محمّلاً بأكياس الأعشاب والوصفات والخيبات. لكنّ المرض كان أسرع من كل شيء. عامٌ ونصف وهو يتنقّل بابنه بين الأردن وفلسطين، بينما جسد الفتى يذبل يوماً بعد يوم.
     تساقط شعرُه الذهبي ، وتقرّحت شفتاه ، وتحول وجهه من بياض النقاء إلى هيكلٍ عظمي ، وغارت عيناه، حتى صار هيكلاً عظمياً يتحرّك بصعوبة.
     أما "فالح"، فقد بدأت الدنيا تضيق عليه. باع شاحنته. ثم باع قطعة الأرض التي اشتراها من مال توريد العنب إلى الخمّارة، بعدما تراكمت عليه الديون، واستنزفت الرحلات والعلاجات كل ما يملك.
     وفي الزيارة الأخيرة إلى الأردن، جلس الأطباء أمامه بصمتٍ ثقيل، ثم قالوا له برفق: "خذ ابنك إلى البيت... دعه يعيش ما تبقّى له بين إخوته." عاد إلى فلسطين منكسر القلب، يحمل ابنه كما يحمل الإنسان آخر ما تبقّى من روحه.
     ولم تمضِ إلا أيام قليلة، حتى ارتفع صوت البكاء في البيت معلناً وفاة الفتى. تحوّل المنزل بعده إلى مأتمٍ دائم. أمّه فقدت عقلها من شدّة الحزن، وإخوته وأخواته صاروا يبحثون عن صوته في زوايا البيت.
     أما "فالح"، فقد جلس وحيداً أمام الحقيقة التي ظلّ يهرب منها سنوات طويلة. أيقن أخيراً أنّ الله ابتلاه في أعزّ ما يملك، ليوقظه من غفلته، وليجعله يراجع عمره كلّه. تذكّر نصائح الناس التي سخر منها، وتذكّر المال الذي جمعه، وكيف تبخّر أمام سرير المرض.
     صار يذهب إلى قبر ابنه كل يوم، يبكي حتى يجّف دمعُه ، وينثر التراب على رأسه، ويمزّق ثيابه ندماً وحسرة. ولم يلبث الحزن أن أكل جسده هو الآخر. انحنى ظهره ، وضعف بصره ، وأصبح يتمايل في الطرقات كأنّه سكران، وما ذاق الخمر يوماً. ظل هكذا يعيد في رأسه شريط الحساب : الدونمات ، الخمره ، الذهب ، الإبن ، القبر ، كان يمشي مثقلاً بالندم، يحمل فوق كتفيه عمره كلّه.
     وبقي على تلك الحال، حتى جاءه الموت، فرحل بصمتٍ موجع، بعدما تعلّم متأخراً أن المال الذي لا بركة فيه، قد يشتري لصاحبه الدنيا زمناً... لكنه يعجز عن شراء لحظة عافية، أو دفع دمعةٍ واحدة عن عين أمٍّ مكلومة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال