حين خانتني البوصلة / أماني ناصف

حين خانتني البوصلة
كنتُ أرتِّبُ حياتي،
كما تُرتِّبُ امرأةٌ عاشقةٌ،
أزهارَها في مزهريةِ الصباح،
وأضعُ لكلِّ حلمٍ مقعدًا،
ولكلِّ انتظارٍ نافذةً،
ولكلِّ غدٍ عنوانًا لا يضلُّ الطريق.
لكنَّ العمر... ذلك المشاغبُ الجميل،
دخلَ إليَّ دون أن يستأذن،
وسرقَ من جيبي خريطةَ الجهات.
أخذني من يدي،
كما يأخذُ البحرُ زورقًا صغيرًا،
ومضى بي إلى شواطئَ،
لم تكن في حسابِ قلبي،
ولا مرَّتْ في دفاترِ أمنياتي.
علَّمني أنَّ الوجوهَ لا تأتي دائمًا حين ندعوها،
وأنَّ الذين نكتبُ أسماءهم بالحبر،
قد يمحوننا بلمسةِ زرٍّ،
وأنَّ الغرباءَ أحيانًا،
يصبحون أقربَ إلينا من المرايا.
يا لهذا العمر...كم يشبهُ عاشقًا،
يعشقُ المفاجآت،
يُبدِّلُ المقاعدَ قبل بدء العرض،
ويغيِّرُ النصَّ بين فصلٍ وفصل،
ثم يبتسمُ وكأنَّ شيئًا لم يكن.
واليوم...لم يعدِ المكانُ يشبهني،
ولا الأرصفةُ تحفظُ وقعَ خطاي،
ولا المرآةُ تعيدُ إليَّ،
ذلك الرجلَ الذي كنتُ أعرفه.
أرى في عينيَّ مسافرًا أرهقتهُ المسافات،
علَّمه الوجعُ كيف يُخفي ،
كسورَ قلبه تحت قميصٍ أنيق،
لكنَّه ما زال يحملُ في جيبِ قلبه،
 وردةً ترفضُ أن تذبل.
وأخاطبُ الحياة:
لقد ربحتِ الجولة..كسرتِ بوصلتي،
وبعثرتِ خرائطي،
وأضعتِ عناوينَ أيامي...
لكنَّكِ لم تستطيعي أن،
 تنتزعي من قلبي إيمانَهُ بالضوء.
سأمضي.. ولو كانت الطرقُ لا تعرفُ اسمي،
ولو كانت المدنُ تُغلقُ أبوابها في وجهي،
فأنا..منذ أحببتُ الحياة،
تعلَّمتُ أنَّ الوصولَ ليس أهمَّ،
من أن يبقى القلبُ قادرًا على المسير.
وسأظلُّ ذلك المسافرَ،
الذي يحملُ وطنَهُ في نبضه،
ويمضي..ولو كانتِ الرياحُ تعاكسُ خطاه.
فما خسرَ من حملَ في قلبهِ نورًا،
وإن أضاعَ العالمُ عنهُ كلَّ الجهات.
قلمي
أماني ناصف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال