لماذا غاب فهم القر آن الكريم /خالد عبد الصمد

 لمـاذا غـاب فهـم القـرآن الكـريـم (18).

الكــثير مـن النـاس يحمــل فـي قلبــه ثقـــل، لا يعــرف مـن أيــن آتـي، والكـثير يتعــب مـن أشــياء لا تـري بالعـين المجـردة. كلمـة قـد تكـون عــابره تتحــول إلـي جـرح دائـم وغــائر، وحمـل ثقيــل مـع مـرور الـزمـن لا يمكـن تحمـله.

فـي تقـديري أن هنــاك بـوابة خفيــة، لـو أدركهـا الإنسـان لتغـيرت حيـاته مـن الـداخـل. والقـوة الحقيقيــة فـي المواجهـــة ولا الـرد ولا الانتقـــام، البـوابة اســمها التغــافل، وفـي التغـافـل الصـفح والعفــو والتســامح وغـيرها مـن الصـفات المحمــودة. والتغـافل ليـس ضــعف أو هــروب مـن الـواقـع، لكـن هـو أعـلي درجـات الـوعـي، ومـن أتقنــه ليـس ضــعيفا، بـل هـو الأكــثر قـوة وحكمــة معــا والأبعــد نظــرا. ومـن يتمتــع بالحكمـــة يبحــث عـن الأبــواب الموصــدة، والتـي يظــن الجمــيع أنهـا بـلا مفــاتيح، ففـي هـذه الأبــواب الموصــدة مـا يـزيـل الضــغوط النفســية، ليتمتـــع المــرء بالطمـأنينـة والســكينة بعـيدا عـن الضـجيج الـداخـلي والخــارجي عـلي حـد ســواء. التغــافل ليـس مجــرد كلمـــة، دلالاتهـــا تحمــل فـي طيــاتها حكمـــة العقــلاء والصــالحين، بـل والأنبيـــاء. مـن يتـقن التغــافل صــار عـلي صــراط الاتــزان النفســي، والســلام الـداخـلي فـي الســكينة والاطمئنــان. الفــارق متســـع بيــن التغــافل والغفــلة، والخـلط بينهمــا ضــلال. التغــافل ليـس جهــلا، فالمتغــافل يعــرف ويـدرك ويختـــار. أمـا الغـافـل هـو الـذي لا يــدري، فيتخبــط دون وعــي فـي ظلمــات القلـــب والنفـس وغيــاب العقـــل. المتغــافل هـو مـن يختـــار بـوعـي يقـــظ وإرادة وحكمـــة، ليتجــاوز مـا يـدري فـي الـواقـع، وهــذا فعـــل إرادي واعـي وليـس ســلبية أو قصــور فـي الإدراك. والتغــافل ليـس تغــابي، التغــابي هـو أن يظهـــر الإنســان عـدم التعــلم، ليتهــرب مـن المســئوليات الملقــاه عـلي عاتقـــه.

التغــافل ليـس فيـه مصـالح شــخصية ضــيقة، بـل هـــو ســلوك نبيـــل لصــيانة العـلاقــات، وحفــظ الكـرامـة، وإبعــاد الأذى عـن النفـس والغـــير. التغـافـل ليـس ضــعفا أو اسـتسـلام، بـل هـو تزكيــة للنفـس لتنمـــو وتـزدهــر، فالتغــافل يحتــاج إلـي قـوة داخليـــة هائـلة، لأنـه يتطلــب مـن الإنســان ضــبط ردود الأفعــال فـي اللحظــة الحـرجة، والتـي يكــون فيهــا الإنســان أكـثر تحفــزا للـرد والمواجهــة، لكنــه يختــار الصـمت، بالـرغـم مـن اســتطاعته الكـلام والـرد والمحاســبة. لـذا التغــافل هـو إدراك الشـئ ورؤيتـــه وفهمـــه، ثـم اتخــاذ القــرار الـواعـي بالتجــاوز، لأســباب تتعـلق بالحكمــة والسـلام الـداخــلي. فالحكمــة فـي اختيـــار المعــارك، ومـن المعـرفة هـو إدراك ما يســتحق دون غــيره، وهكـذا يتـم صــيانة الطـاقة النفســية، وليـس كـل موقــف عـابر يســتحق المواجهــة والاهتمــام. التغــافل ليـس خيــارا مـن بيـن خيــارات عـديـدة، بـل هـو ضــرورة حضــارية وحاجـة نفســية ملحــة وضــرورية، لا يمكــن الاســتغناء عنهــا فـي عـالـم يعــج بالتعقــيدات والتوقعـــات وغــيرها (الفتـــن). الإنســان الأكــثر حسـاسـية والغــير قـادر عـلي التســامح، هـو الإنســان الأسـرع فـي إصــدار الأحكــام المتهــورة، والأبطــي فـي التــأمـل، وهـذا هـو التســرع بعينـــه، لـذا التغــافل هـو درعـــا يقــي صــاحبه مـن ســـهام لا تحصــي ولا تعــــد. والتغــافـل ليـس موقـــف أو حيــلة للتعــامل مـع الآخـــر، بـل هـو نمــط حيــاة وطريقـــة تفكـــير، ومنهـــج فـي رؤيـــة النـاس والمحيـــط، وهنــا يظهـــر الفــارق بيـن مـن اكتســب منهــج التغــافل وغــيره. شــخصان فـي بيئـــة واحــدة أحداهمـــا يعيـش فـي ســكينة وطمـأنينـة (متغــافل)، والآخــر يتخبطــه الشــيطان مـن المـس (الغفــلة وعـدم التغــافل). التغــافل هـو دواء الاســتنزاف، والجســـر للعبـــور مـن التخبـــط إلـي الســكينة. والتغافــل أصــيل فـي الحضــارة الإســلامية وتراثهـــا، فالرســول صـلي الله عليـه وسـلم كـان يـري مـا يكـره، ويتجــاوزه بابتســامة أو صــمت أو توجيــة رقــيق دون ضــجيج، وهـذا ممارســـة أعـلي درجــات التغـــافل.

التغــافل يتيـح للعقــل إن يعمــل بعيــدا عـن ضـجيج العواطــف المتقلبـــة. وما نطــلق عليهــم علمـاء النفـس الحديـــث، اكتشــفوا مـا عـرفه الأجــداد، وهـو إن الإنســان الـذي يمـلك القـدرة عـلي تأجيـــل ردود أفعــاله، واختيــار ما يعطــي لـه الانتبــاة دون غــيره، هـو الإنســان الأكــثر تـوازنـــا، والأكــثر طمـأنينـة، وهـو ما يسـميه عـلم النفـس المعاصـــر، الـذكـاء الانفعــالي أو الـذكـاء العاطفـــي، وهـو التغـافـل والتـروي والحـلم والأنــاة.

التغــافل بـذرة تـزرع فـي العقـــل، وتظــل تنمـــو وتـزدهـر مـع الـرعـاية، وثمـارهـا السـكينة والطمـأنينــة، فالمتغــافل قـد يعـيش فـي أكـثر البيئـــات ضــجيجا، وهـو فـي ســـلام تــام.

وهــناك العـديد مـن الآيــات القرآنيـــة، عـن العفـــو والتســامح وهمـا مـن ركـائز التغــافـل.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ســورة البقــرة 178.

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. سـورة البقـرة 237.

الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. سـورة آل عمـران 134.

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. سـورة آل عمـران 159.

إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا. سـورة النسـاء 149.

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. سـورة المـائدة 13.

وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. سـورة النـور 22.

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ. سـورة الشـوري 25.

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. سـورة الشـوري 40.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. سـورة التغـابن 14.

أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.

خــالــد عــبد الصـــــمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال