من أنا /المعز غني

 هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي

مِين أنا...؟ أريد أن أعرف


هناك سؤالٌ لا يطرحه الإنسان على الآخرين بقدر ما يهمس به لنفسه في لحظات الصمت ...


من أنا؟


هل أنا مجرد إسمٍ كُتب في شهادة الميلاد؟ أم لقبٍ يتناقله الناس؟ أم وظيفةٍ تنتهي بإنتهاء العمر؟ أم أن الإنسان أكبر من كل التعريفات التي تمنحه إياها الحياة؟


كلما تقدمنا في العمر ، أدركنا أن معرفة الذات هي أصعب رحلة يخوضها الإنسان ، وأن الوصول إلى الحقيقة لا يكون بالسفر إلى البلدان ، بل بالسفر إلى أعماق النفس .


واليوم ، وقفت أمام مرآتي ، لا لأتأمل ملامحي ، بل لأتأمل إسمي ...


فسألت نفسي :


مين أنا ...؟ أريد أن أعرف .


أنا ...


إسمي المعز ...


إسمٌ يحمل في معناه العزة والكرامة والرفعة ، ويذكّرني بأن الإنسان لا يُعزّ بماله ، ولا بمنصبه ، ولا بشهرته ، وإنما يعزه الله بما يحمله من صدق وأخلاق وإيمان .


أما لقبي ...


فهو غَنِـي .


وليس لقبًا عابرًا ، بل إسمٌ يوافق أحد أسماء الله الحسنى ، وهو "الغني"؛ أي المستغني عن خلقه ، الذي إليه يفتقر كل شيء . 

ومن المهم التذكير بأن هذا الإسم إذا أُطلق على الله فهو على وجه الكمال المطلق ، أما إذا أستُعمل لقبًا أو إسمًا للبشر فلا يحمل هذا المعنى الإلهي ، وإنما يكون مجرد إسمٍ متداول بين الناس .


كلما نطق أحدهم بإسمي ، شعرت بمسؤولية قبل أن أشعر بالفخر .


مسؤولية أن أكون غنيًا بالأخلاق قبل المال .


غنيًا بالمحبة قبل الكلمات .


غنيًا بالعطاء قبل الأخذ .


وغنيًا بالقناعة ، لأن من رضي بما قسم الله له ، عاش أغنى الناس وإن كان لا يملك إلا القليل .


لقد علّمتني الحياة أن الغنى الحقيقي لا يُقاس بما في الحسابات البنكية ، بل بما في القلوب .


فكم من إنسان يملك الملايين ويعيش فقير الروح ...


وكم من بسيط الحال يوزع السعادة أينما حلّ ، لأنه يملك قلبًا لا يعرف البخل .


أنا لا أبحث عن أن يعرف الناس إسمي ...


بل أبحث أن يتذكروا موقفي .


لا أريد أن أكون رقمًا في قائمة طويلة ، بل أثرًا طيبًا في ذاكرة من عرفتهم .


فالإنسان يرحل ...


ويبقى حديثه .


ويرحل ...


ويبقى خُلُقه .


ويرحل ...


ويبقى ما زرعه في قلوب الآخرين .


لذلك ، لا أسأل اليوم : ماذا أملك؟


بل أسأل : ماذا تركت من أثر؟


ولا أسأل : كم يعرفني الناس؟


بل أسأل : كيف عرفوني؟


فالسمعة تُصنع بالكلمات ، أما المكانة فتصنعها الأخلاق .


إن أعظم إنتصار يحققه الإنسان هو أن يبقى وفيًا لنفسه ، مهما تغيرت الظروف ، وأن يحافظ على مبادئه في زمن أصبحت فيه المبادئ سلعة نادرة .


وفي النهاية ...


قد ينسى الناس ملامح وجهي ...


وقد ينسون صوتي ...


وقد ينسون حتى إسمي ...


لكنني أتمنى ألا ينسوا أن رجلًا مرّ من هنا ، وكان يحاول أن يترك كلمة طيبة ، وأثرًا جميلًا ، وقلبًا لا يحمل إلا الخير للناس .


ويبقى السؤال الذي أتركه لكم جميعًا :


من أنتم حقًا؟


ليس كما تعرفكم بطاقات الهوية ، ولا كما تصفكم المناصب ، ولا كما تقدمكم مواقع التواصل الإجتماعي الفايسبوك أوالواتسأب أو التويتر أو التيكتوك وغيرها ...


بل كما تعرفكم ضمائركم حين تخلو بأنفسكم .


فربما كانت أعظم رحلة في الحياة ليست البحث عن مكانٍ نصل إليه ...


بل البحث عن أنفسنا قبل أن ينتهي بنا الطريق .


بقلم المعز غني عاشق الترحال وروح الاكتشاف


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال