كيس الأستاذ/نجدت اسكندراني

 كيس الأستاذ

   

   في حديقةٍ وارفةٍ. خيِّمت أغصان شجرةٍ مسنَّةٍ راسخةٍ، فوق مقعدٍ خشبيٍ، أعتاد أستاذٌ مسنٌ الجلوس عليه. وبدا كأن نوعاً من العشق قد جمع بينهما.

   بحوزة الأستاذ كيس عتيق، جمع إلى نظارة القراءة، قلم رصاص، وأوراقاً تحاكي أوراق الشجرة المسنة. 

   أوراق هي ثمار سنوات زَرْعِهِ. درَّسها لأجيال. تقرأ فيها الأخطاء الشائعة في اللغة العربية، والأسلوب المتطور في القواعد والإعراب، وقواعد الإنشاء والإملاء، وأوراقٌ فيها مواضيع شتى، وكتاب شحبت أوراقه، يتحدث عن مكارم الأخلاق.

   وتقرأ في قسمات وجهه حكاية تاريخِ عَناءٍ طويلٍ، فمسحة التعب تبدو على وجهه هي آثار سنين قضاها في تعليم الناشئة.  

   ومع ذلك الوقار البادي في محياه، تجده يتلهف لطالب علم متعثر في دراسته يقصده. وتراه ينكب على تنقيح قصة لكاتب، أو مراجعة حلقة بحث لطالب جامعي. فأصبح مرجعاً لطلابٍ يقصدون الحديقة  للدراسة. أو لأشخاص حالت ظروفهم دون متابعة دراستهم النظامية... فينزل إلى مستواهم ليبسِّط لهم القواعد، دون أن يُفقده هذا الفعل هيبته. وبات أنيساً لمسنين من العامة، يرتادون الحديقة، تقربوا منه فبسط لهم وجهه...لأنه يجد نفسه مسؤولاً عن تقديم العون لهم من دون انتظار شكر. وفي هذا سلواه. فأضحى مقعدُه تحت الشجرة المسنة ركناً مهمّاً في الحديقة.           

   ولا شك أن الحرب التي تدور رحاها في البلاد، أصابت التعليم بالفوضى. فانتشرت العامية بين الطلاب، وأبعدتهم عن طابع الجد، مع انحدار في سلوكهم. وتحولت الحديقة إلى مرتعٍ لطلابٍ منفلتين... واحد قميصه مفتوح الصدر، وثان بنطاله يبدأ من منتصف مقعده، وآخر طليق اللحية، وصاحبه حليق الرأس ترك خصلة شعر تتدلى على جبينه كغرة تيس. يمضون الوقت يتبارون أيهم أكثر مهارة في قذف الكرة، وإذا فشل أحدهم بالتسديد، صب جام غضبه في شتم وسب أعراض أصحابه.... ! فيضحكون ! فيسب السماء !!

   وغير مبالين بوجود مسنين أو مسنات. يقومون بعرض رشاقة أجسامهم، بالقفز والنط، ورفس بعضهم، ويوثقون هذه الأفعال المشينة بأجهزتهم"الخلوية"الثمينة.للتباهي 

   ويبدو أن الكأس طفح عند الأستاذ، وهو يرى هذا الانهيار العلمي، والأخلاقي.    فوقف يوماً غاضباً، واستند إلى جذع الشجرة المسنة وصاح بحرقة : 

   _ ما لهؤلاء الصبية ؟ ومن أي مدرسة تخرجوا ؟  

   قال جاره الجالس إلى جانبه :

   _ هؤلاء.. هؤلاء نتاج الحروب، هذا جزء من التغيير.

   _ علينا أن نبدي لهم النصح.

   _ أنصحك يا أستاذ لا تحشر نفسك معهم.

   _ ولكن هؤلاء الصُبية ضحايا، ولا ذنب لهم.

   _ لعنة الله على الحروب.

   _ أما من جهة تضبط تصرفاتهم ؟ 

   _ لننتظر معجزة حتى تغير الحال.

   نهض في الصباح، ومن حنانه على زوجته تركها نائمة، وبهدوء انسحب خارجاً من البيت، قاصداً الحديقة، بعد أن وضع بعض الطعام في كيسه، وأخذ كنزته الصوفية، فقد شعر ببرودة تسري في أوصاله. 

   الأستاذ, لا يكاد يفرق بين بيته وبين الحديقة، فالناس في الحديقة هم بضعةٌ من أهله، يسمع لهم، ويتحدث معهم، فيشعر أنه بين أولاده الغائبين.

   وبينما كان يأخذ طريقة إلى الحديقة بمحاذاة سورها الحديدي، ألقى نظرة إلى داخلها فاسترعى انتباهه تجمهُرٌ عند الشجرة المسنة...

   ثمة هواجس ساورته، فلم تكن علاقته بالشجرة تتعدى مجرد الاعتياد أو الألفة، بل تاريخ ومصير واحد، كمرآة يرى فيها صورته.

   أحكم قبضته على الكيس، وحث الخطى، يدفعه قلق وخوف انبعث بحسه... 

   وهو يشارف الباب الخلفي للحديقة، راح يمسح العرق عن جبينه...

   وما كاد يدخل الباب، حتى وضحت له الصورة...

   كانت هناك آلة سوداء ضخمة، بدت كوحش يدب على الأرض، تصدر أصواتاً مزعجة، لها ذراع ينتهي بكلَّاب كبير ذي أنياب ثلاث...يمسك بعنق الشجرة المسنة ويهزها بشدة... يَمنة ويَسرة، حتى اقتلعها من جذورها...وألقاها جانباً. 

   بعد ذلك...جاء رجال يحملون مناشير ضخمة، وراحوا يقطعون أغصانها إرباً.. إرباً، وآخرون يحملون أشلاء الشجرة إلى صندوق سيارة كبيرة... انطلقت مخلفة وراءها فوضى. وكان الطلاب المنفلتين، والناس من حولهم متحمسين لما يحدث.


   كل شيء هدأ وسكت، ما عدا نظرات الأستاذ. فقد راحت تجوب المكان...ولا تجد الشجرة. لا يريد تصديق ما حدت _ لا بد أنه أصيب بالعمى _! هكذا راودته نفسه. 

   وضع كيسه العتيق على مقعده الخشبي، الممتلئ أوراقاً متساقطة من الشجرة الراحلة وجلس بجانبه صامتاً واجماً. 

   قال له جاره :

   _ عجزنا عن إقناعهم، كانوا قساة، اقتلعوها بعنف.

   الأستاذ : 

   _ من هؤلاء ؟ ولماذا فعلوا ذلك ؟

   الجار :   

   _ إنهم الإدارة الجديدة للحديقة. يقولون إن الشجرة المسنة أصبحت  تعيق مشروع تحديث الحديقة...ولابد من إزاحتها عن الطريق الجديد.

   نهض من مقعده، وشبك كفيه خلف ظهره المنحني، وراح يدور مكان الشجرة.

   جاء عمال الحديقة ليزيلوا مخلفات المجزرة... وفي ذهول الأستاذ عن كيسه، اقترب أحد العمال من المقعد الخشبي، وراح يلم الأوراق المتساقطة من الشجرة الراحلة، فمد يده وأخذ كيس الأستاذ العتيق... وألقى به في عربة المخلفات.

   نفرت الدموع من عينيه الحزينتين، وهما تطاردان العربة المنطلقة بعيداً... مخلفة وراءها غباراً يسبح في الفراغ... 

   وقف وسط الفراغ، محني الظهر، يعلو رأسه الغبار، وتمتم بصوت حزين : 

   _ والشجرة تبتلى في بعض ما يبتلى به الإنسان، لكن حزنها يبقى في داخلها.          

***

بقلم: نجدت اسكندراني

من المجموعة القصصية: " و للبحر سلطان".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال