الخطيئة /جوزيف شماس
الخطيئة
عزيزي: كلمةٌ أحبُّها, وأحترمُ معناها. لأنّها زادُ المحبّةِ لثنائيِّ الخلقِ. يا من كنتَ حبيبي وزوجي, وتوءمَ روحي, ومنارةَ أحلامي.
أّتذكرُ حين التقينا أولَ مرّةٍ, يومَ تعانقتْ نظراتنا, وجُدِّلتْ أنفاسنا مع أنسام الهوى؟ حينها قفزَتْ روحي منجذبةً إليك, وارتوت مشاعري من فيضِ رجولتكَ, وكانت رغبتي تنموُ مع كلِّ لقاءٍ جديدٍ. وآمالي تزغردُ فرحاً وهي ترنو إلى شجرةِ الحياةِ لنقطفَ منها فاكهةَ الحبِّ والهناءِ, ونرتوي من ينابيعِ الهوى لبناءِ أُسرةٍ هانئةٍ !
أما الآن بعد أنْ عِشنا معاً سنواتٍ حافلةً بالسعادةِ. فإنّني أشعرُ أنَّ الحيرةَ ترهق روحي, مبعثُها حبّي لكَ وإحساسي بالكبرياءِ. أتدري لماذا؟
لأنّني أشعرُ أنَّ شموخكَ قد بدأ يتمايل بسببِ غروركَ وأنانيّتكَ التي سجنتكَ داخلَ ذاتكَ. فغابَ عنكَ طيفُ الحبيبِ. وكدتَ تنسى أنفاسِيَ التي كُنتَ ترتوي من منابعِها, وبدأتَ لا تَعْبأ في عناقِ مشاعري, واحتضانِ عواطفي؛ كأنَّهُ كان عهداً وانتهى.
أمّا أنا فما أزالُ تلكَ المرأَةَ التي أَحبّتكَ بشغفِ جنونها, وعشقَتْكَ بكلِّ جوارحها, وخبأتكَ بين خلاياها, فمنذ ذاكَ الزمانِ أنا تلكَ الأنثى التّي فرشتْ روحها بساطاً تحت أجساد أنفاسكَ, وغمرتكَ في أحضانِها وقت الصعابِ, لتبقى خالداً في ذاتها.
أنا لا أُنكِرُ أبداً, أَنّني حاولتُ مراراً أنْ ألتهبَ بين أحضانكَ, لنذوبَ معاً في سكرةِ الحبِّ, ولتشتعلَ أرواحنا مُضيئةً دربَ خلودِنا معاً. لكنَّكَ كُنتَ دوماً تتجاهلُ خفايا حُبِّنا ومآثرَهُ, ولم تحاوِلْ يوماً أنْ تقرأَ أحلامي, وتفهمَ رموزَ روحي, لأنَّ رغبتكَ قد انحصرتْ في امتلاكِ جَسدي, والتلذُّذُ برائحةِ أنوثتي, وتركتَ العنانَ لناظريكَ لتسرحَ كما يطيبُ لها على تضاريسِ جسدي, وتتغلغلَ في ثناياهُ ومنحنياتهِ دونَ رقيبٍ, فانجرفَتْ ذاتكَ بعيداً عن عالمِنا, ومروجِِ أرواحِنا...
فأنا قد أصبحْتُ أحتقرُ ذاتي, بعد كلِّ لقاءٍ حميميٍّ بيننا, لأنَّ أنفاسي تندثرُ حينها كالرمادِ, وتهربُ روحي من بينِ أضلعي, لتجلسَ على حافةِ الزمنِ الهشِّ وتنزفُ ألماُ, وأشعرُ بأنّني قد ارتكبتُ خطيئةً بحقِّ ذاتي وبحقِّ أنوثتي وجسدي الذي أصبحتَ تُحبُّهُ وتعشقُه أكثرَ منيّ, واعتنقتَ قانونَ العبوديةِ الذي يقّرُ بخنقِ آهاتِ الأنثى دونَ ضجيجٍ, وموتِ مشاعرِ أنوثتها قبلَ أن تزهرَ فيها. فرغمَ الغصّةِ الحارقةِ في حلقي أقولُ لكَ :
وداعاً لأنّني قررتُ هجرانَ عالمكَ السّاحرَ, لأنَّ ذاكَ الحبَّ الذي كنتُ أخبئُهُ لكَ بين ضلوعي قد بدأ يؤلمُني ويورقُني. فيجبُ أن أرحلَ إلى عالمي, وأحرثَ من جديدٍ تربةَ روحي, لتتنفَّسَ هواءَ الحرّيةِ لتزهرَ من جديد , فقد أصبحَتَ من الماضي الذي لا أرغبُ في الرجوعِ إليهِ. حفاظاً على روحي وأنوثتي وكرامةَ جسدي...
قرأ الرسالة.. طويّ أطرافها بأناملَ باردةٍ.. مسح براحتيهِ دموعاً سارحةً على مساحةِ خدّيهِ.. لملمَ آلامَ روحهِ وغفا... وغفا على ركامِ نارِ ذكورتهِ..
انتهت
جوزيف شماس
تعليقات
إرسال تعليق