ليتها تعود / أحمد بلول المسعدي / الجلفة /الجزائر
ليتها تعود
كان الأدب والنقد في أرقى حلله لمّا كان أهله يملكون من أدواته العلمية، و الأخلاقية ،من أصالةِ ومرجعيّةٍ من دينٍ،و ثقافة، وغايتهم في ذلك كلّه نشر القيم الفاضلة ، من إحقاق حقّ ، وعدلٍ ،و حياء ، وكرمٍ، وصدقٍ ،ووفاء، ووعدٍ ،وأمانة، ومنزلة الكلمة بين الكلمات، ومروءة بين الصفات فيوثّقون تلك القيم في كتبهم ، ومجلّاتهم ، وحواراتهم ، في جلساتهم،وأسمارهم بين الأفراد ، والأسر ،والعيال ، فكانت دكاكين مدينتِهم تعجّ ملأى بما يُصلح الفردَ والمجتمع من بنات الأفكار المضيئة كضوء الشمس يزيح غياهب الظلمة عن تلّة المرعى والرعيّ من خير ما تملك مكتبات المدينة من غذاء الروح والعقل ،فما يلبث ذلك الطالبُ أو الدارسُ يتلمّس تلك الوجبات من غذاء القلب ، والروح ، والعقل في مراحل دراسته و يتعهّدها قيمًا بما جادت به قرائح الكتّاب والأدباء ،ممّا غرسَ الأسلاف من خصبة المعرفة النديّة حتّى تشبّ فيه شخصيةً قويّة فذّة لا تزحزحها رياحٌ ، ولا تقلعُ أشجارَها عواصف وأعاصير مُصلِحة وصالحة لإنسان الأرض و إعمارها لبقاء واستمرار الحياة الكريمة المجبولة على الفطرة السليمة من مراحل الزمن ، فتنتشر هذه الصفات، وهذه الخصال النبيلة عشبَ الربيع الذي سقاه غديرُ الغيثِ من روْح الله في إنزال المطر مطبوعة في الأذهان والأفكار فيُـــسْقَاهَا كلّ فردٍ رحيقاً فيكون الرجلَ ،وتكون الزوجةَ ، و وتكون البنتَ، و يكون الأخَ ،ويكون الصديقَ، والخِلّ والخليل،والجارَ والرفيق، والمسؤولَ بما تحمل هذه الكلمات من صفات دلالاتها اللغوية ، فتتماسكُ عرى المجتمع برباطٍ متين يصعبُ على كلّ سيلٍ جارفٍ أن يخترق أحجارَها الصلبة ،أو أن تتصدّع بقوّة تماسكها ،وإتقان بنيانها ، وهندسة عمرانها ، وهذه المادّة ،وهذا النظام ، جاء كلّه باختيار منهجٍ في الثقافة ،في المعاملة ، في كلّ سلوكٍ يسلكه الفرد والمجتمع ،فطُبِع بختْمِ الصدق ، والعهد، والثقة ، والوفاء، وإتقان العمل، وُضِع برؤيا تليق بسياقه العام من علم، ودين ،وأخلاق ،وأصالة ، و ثقافة ، وجغرافية ممّا وشّح أرضَها من حرارة شمسٍ، وتربة رملٍ، وأشجارِ سدرٍ ،وظلِ واحةٍ ، ممّا حملت هذه الطبيعة ،وألفِتْ من سماعِ صوتٍ ممّا دبّ عليها من صولة جملٍ ، ورغاء ناقةٍ ، وصهيلِ حصانٍ،و صفير مكّاء ، و شدو طير، وأسراب حبار ، وعدو شادن ، و موج سَرابٍ، ولمّا زال هذا السياق الفكريّ ، والثقافيّ ، وحتّى اللغويّ ،وحاد الكِتابُ والكتّابُ، والصحفيّ ، والإعلاميّ ، والرئيسُ والمرؤوس عن النهج، وتشبّث كلٌّ بمصطلح السياق الغربيّ في كلّ بحثٍ وفكرٍ، وحياة ، ولبسنا ثقافتهم في نومنا وأحلامنا بل ونفخر حتّى في بحوثنا ومعاملاتنا مع أولادنا وأزواجنا في اليقظة والسبات ،طارت وزالت عنّا تلك القيم التي عاشها آباؤنا وأسلافنا ،وليتها تعود ............
أحمد بلول المسعديّ / الجلفة / الجزائر
تعليقات
إرسال تعليق