العملات الحديثة كالظل / المعلم السعيد عشي

العملات الحديثة كالظل
بقلم المعلم السعيد عشي
إن العملات النقدية التي نتعامل بواسطتها حاليا هي عبارة عن قيمة لما يباع ويشترى بواسطتها من المنتجات، وليست قيمة للذهب الاحتياطي المكنوز كما يشاع، فإذا باع المنتجون منتجاتهم لغيرهم من المواطنين فإن تلك المنتجات التي تم بيعها تنتقل هي وقيمتها معا إلى المشترين ولا يصح أن تسلم المنتجات للمشترين وتبقى قيمتها مع البائعين. إن قيمة الخروف الذي يذبحه مالكه والخروف الذي يموت لا تبقى قيمته عند أصحابه، إنه من غير المعقول أن تبقى قيمة المنتجات التي تباع وتستهلك وتتكسر وتبلى وتتحطم وتنقضي مدة صلاحية استهلاكها مع أصحابها أو مع غيرهم من الناس. إن قيمة المنتجات كظل الأشياء فإذا اجتثت شجرة من أصلها فإن ظلها لا يصبح له وجود، الشيء الذي يعني أن ظل الشجرة يرحل برحيلها. إن تدمير عمارة ونقل ردمها فإن ذلك لا يبقي العمارة ولا قيمتها ولا ظلها ولذا كان التعامل الشرعي عبارة عن مقايضة.
إن كلمة بيع وكلمة شراء يمكن استعمالها استعمالا عكسيا إنه يمكن أن نقول باع عمر مقدارا من القمح مقابل مقدار من الذهب كما يمكن أن نقول باع خالد مقدارا من الذهب مقابل مقدار من القمح. كما يمكن أن نقول اشترى شخص مقدارا من القمح بمقدار من الذهب أو اشترى شخص مقدارا من الذهب بمقدار من القمح. إن التعامل بالمقايضة لا يحدث فيها ربا لأنه عبارة عن تبادل الناس لنفس المنتجات التي ينتجونها. إن التعامل بالعملات التي تحل محل نفس المنتجات التي يتم بيعها عبارة عن خلق الناس لما ليس له وجود في الطبيعة، وإن إنتاج ما ليس له وجود في الطبيعة شيء مستحيل. إن خلق العباد لما يسمى بعملات القيمة عبارة عن خلق لمنتجات موازية للمنتجات الطبيعية التي يرزق الله بها عباده. إن هذه العملات كلها عبارة عن ربا، وإذا انعدمت المنتجات التي تشترى بواسطتها تصبح عبارة عن لا شيء، ولهذا قال المولى تبارك وتعالى :(يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) "سورة البقرة الآية 275" إنه من غير المعقول أن تبقى قيمة الطائرات وقيمة السفن وقيمة السيارات المحطمة، وإنه من غير المعقول أن تبقى قيمة الملابس البالية وقمة المنتجات المستهلكة. إن وجود قيمة الذهب في حد ذاته عبارة عن ربا لأن الله لم يخلق قيمة الذهب.
إن العباد لا يدركون مخاطر تكاثر العملات التي يعتبرونها إنتاجا للثروة. مع العلم أن هذه المخاطر تتمثل في إمكانية انقراض الحيوانات التي تباع وتشترى بواسطة هذه العملات المبتدعة التي ليست من خلق الله. إن مخاطر إنتاج العملات لا تتمثل في تناقص وقلة المنتجات فقط ولكنها تتمثل في ارتفاع الأسعار باستمرار نتيجة قلة اهتمام العباد بتوفير ما يباع ويشترى من المنتجات بواسطة العملات. إن مخاطر العمل من أجل الحصول على هذه العملات التي يعتبر توفيرها إنتاجا للثروة لن تقتصر على التسبب في خرق الأوزون وارتفاع درجات الحرارة وقلة المنتجات وانقراض الحيوانات وارتفاع الأسعار باستمرار بل سيتسبب في الحروب الطاحنة بين الشعوب وقد يؤدي إلى عودة العباد إلى استهلاك لحوم بعضهم بعضا. إن العباد أنفسهم لا يمكن أن يعيشوا إذا انعدمت الحيوانات والنباتات والأعشاب ومنتجات الأرض، وإن المحافظة على منتجات الأرض لا يتحقق إلا بالمحافظة على بذورها وعلى العناصر والمواد التي تصنع منها وعلى الحيوانات التي تنتجها. وإن توفير هذه المنتجات والمحافظة عليها يتطلب وجود المتطوعين لتوفيرها قبل بيعها وشرائها ومقايضة بعضها بالبعض الآخر.
إن ابتداع الناس لعملات تقدير قيمة المنتجات وتسبيق دفع هذه العملات كأجور للعمال دون معرفة المنفقين لهذه العملات لمقادير الأرزاق والمنتجات التي سينتجونها كل عام يعتبر جهلا وتجاهلا للعواقب، وإن عدم انعدام قيمة المنتجات بانعدام المنتجات واعتبار الحصول على المزيد منها كإنتاج لنفس المنتجات التي تباع وتشترى بواسطتها هو السبب في ضلال العباد وفي جهلهم وفي عدم تقديرهم للعواقب. إن الله لا يسأل عباده على ما قدموه من عبادات ولكنه سيسألهم من أين اكتسبوا هذه العملات وعلى من منحها لهم. أسأل الله أن يعود الناس إلى رشدهم قبل حلول الطامة الكبرى. إنني أؤكد للعباد بأن مقود قطار الاقتصاد بأيديهم ولذا يجب عليهم أن يتأكدوا عما إذا كان القطار الذي ركبوه سيتجه بهم إلى الجنة أو سيتجه بهم إلى النار.
باتنة في 04/08/2025 ميلادية الموافق ل 09/02/1447 هجرية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال