بيني وبينك ... وطن من المستحيل / أماني ناصف

بيني وبينكَ... وطنٌ من المستحيل
في مساءٍ يشبهُ وجعَ المنافي،
جلستُ أُحادثُ قلبي سراً،
قلتُ له:
أما تعبتَ من انتظارِ رجلٍ،
 كلما اقتربتَ منهُ أبعدَهُ القدر؟
فأجابني:وكيف أتعبُ منه ،
وهو الوطنُ الوحيدُ،
الذي كلما ضاعتْ الطرقُ عدتُ إليه؟
قلتُ:لكنَّ بيننا صحارى من المستحيل.
فهمسَ:وهل كان العشقُ يوماً،
يعترفُ بالمسافات؟
ثم صمتَ...وتركني وحيدةً أجمعُ ما تناثرَ منّي،
وأكتبُهُ على هيئةِ شوق،
كنتُ أظنُّ بأنّي قد أتقنتُ الهروبَ،
وأغلقتُ خلفَك أبوابَ الذاكرة،
وخبّأتُ ملامحَكَ في آخرِ درجٍ،
 من أدراجِ القلبِ المنسيّة ،
لكنَّ كلماتِكَ جاءتْ كريحٍ بدويّةٍ عاشقة،
تعرفُ كيف تهتدي إلى الخيامِ،
مهما تباعدتِ الصحارى،
وكيف تسرقُ من الرملِ أسرارَهُ ،
ومن الليلِ نجومَهُ ومنّي كلَّ محاولاتِ النجاة ،
تقولُ إنّني أمنيّتُكَ الأخيرة،
وأنتَ جُرحي الجميلُ الذي لا أريدُ له شفاء،
ولا أريدُ له نهاية ما اخترتُكَ يوماً،
بل اختارَكَ قلبي حين أعلنَ تمرّدَهُ على العقل،
وجعلَكَ وطناً لا أملكُ حقَّ الرحيلِ عنه،
رغمَ أنّ بيننا حدوداً من العادات،
وألغاماً من الواقع وقيوداً كُتبتْ على أبوابِ المستحيل ،
كلّما قرّرتُ نسيانَكَ وجدتُكَ في تفاصيلي كلّها ،
في أغنيةٍ تمرُّ كنسمةٍ على نافذتي،
في رائحةِ مطرٍ تبلّلُ أعشابَ الحنين،
في غيمةٍ شاردةٍ تحملُ ملامحَكَ إلى سمائي،
وفي كتابٍ قديمٍ كلّما فتحتهُ،
خرجَ صوتُكَ من بين السطور،
أعرفُ...أنَّ الواقعَ يقفُ بيننا،
كجبلٍ شاهقٍ شقَّ البحرَ نصفين،
وتركَنا على ضفّتَينِ نتبادلُ الشوقَ ولا نملكُ العبور،
وأعرفُ...أنَّ بعضَ الأحلامِ،
خُلقتْ لتبقى معلّقةً بين الأرضِ والسماء،
كقنديلِ عشقٍ ينيرُ العتمةَولا يصل.
لكنَّ ما لا تعرفهُ أنّي كنتُ أقرأُ صمتَكَ،
كما تُقرأُ القصائدُ المقدّسة،
وأسمعُ ارتباكَ قلبِكَ بين الكلمات،
كما تسمعُ أنتَ ارتجافَ روحي ،
كلّما مرَّ اسمُكَ في دمي،
لا أريدُ وعداً...ولا أعذاراً،
ولا معجزةً تُسقطُ أسوارَ المستحيل،
يكفيني أنّكَ مررتَ يوماً كشهابٍ من نور،
فتركتَ في روحي أثراً لا تمحوهُ السنون،
ولا تُطفئهُ المسافات،
فإنْ كانَ قدرُنا فجراً تأخّرَ كثيراً،
وكانَ الليلُ أطولَ من احتمالاتِ الوصول،
فقدري أن أقرأكَ بين نبضةٍ وأخرى،
كسمفونيّةِ عشقٍ خالدةٍ،
ضاعَ لحنُها الأخير بين العازفين،
ذلكَ الحبُّ الذي عرفَ طريقَهُ إلى القلب،
وأتقنَ السكنى فيه،
لكنّهُ لم يجدْ أبداً طريقَهُ إلى اللقاء،
فبقينا أنا وأنت،
قصيدتينِ متجاورتينِ في كتابِ القدر،
تلامسُ إحداهما الأخرى بجناحِ الشوق ولا تلتقيان
قلمي
 أماني ناصف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال