دميتي المفضلة / عبد الكريم مدايني
*** أقصوصه بعنوان : دُميتي المُفضّله ***
*** نسيمُ الكلمات : عبد الكريم مدايني ***
كانا يجلسان في الشّرفة العلويّة من البناء المتهالك ، منزلُ الجد ..
الجد صاحب اللحية النّاصعة البياض كقمة جبل الشعانبي ...
كانت قد فرغت منذ حين من ترتيب البيت و قد قدمت للجده المُعمٍّره -إحسان - وهي على كُرسٍيٍّها المتحرك - الشوفان مع الفواكه المطحونه والعسل وقدح الحليب الدافء دُونما سكّر ...
لما تهالكت على الكرسي العتيق نظرت كالعاده الى القمم القريبه لجبل الشعانبي الجاثم هناك التي توشّحت بالغمام والظباب وثلوج نقيّة كنقاء السّجايا هُنا ... فهي تعشق ساعات الفجر الأولى ..
خيوط النور الحادّه كالسُّيوف تشُق المدى تتخلّلُ بقايا الظلام والظلال و مجاهل الباسقات من الاشجار الجرداء حيث تظهر من بعيد حولها أسراب طيورٍ الجونكو داكنة الأعيُن التي ينعتها و يسمٍيها الجد -حسن- بطيور الثلج ... طيورٌ رشيقه لا تحلّق إلا في مجموعات متآلفه ...
كان الصبي - وَردْ - قد وضع رأسه على ركبة أمّه ، إلتفَّ بغطائه الصّوفي ، ودون ان يرفع ناظريه إليها سألها :
- أمي ،، من أين أتيتُ و أين ظفرتٍ بي ؟؟...
لم تتفاجأْ الام -إحسان- لتُجيب ، وكأنّها تحدّث نفسها ...
- لقد كُنتَ في العاب طفولتي .. وفي لوحاتي البدائيه وخربشاتي الاولى المفعمة بالفرح و الامل ...كنتَ في دُمى الطّين التي أصنعُها لاحطٍمها عقابا لك بعد ان أحاورك ولا ترُد .. كنتَ في كل العابنا ونحن صغيرات في السّاحه تغمُرنا الزهور و تصاحب أغانينا الطيور ... كنتَ دائما دميتي المُفضّله ..كنت في خيالي وآمالي في نشوات حُبي كنتُ أحيا بالخيال بكَ حياة أمّي .. وأحيانا كنتُ أتقمّص شخص والدي لاراك تكبر في الرّوح الخالدة الساكنة في هذا البيت الذي تهيمن عليه البراءه والحب منذ الازل ...
هنا تنهّدت الام وكأنّها تُغالب الدموع ... وأردفت..
-أنت يا حبيب السماء ، كنتَ وشعاعَ الصُبح الوردي الاول توأمين حَمَلتْكَ أطيافُ المحبّه لتسكن بين جنبَي َّ و قلبي ... كنُور الفجر .... ...
وإنتبهت الام فجأه ... حدّقت في المُحَيّا الغض و الفتيْ كوردةٍٍ تتفتح تحت النور الخافت القادم من بعيد .. ،، كان الفتى قد راح في نعاس بروعة كلمات والدته من البدايه ... لقد كان في الغاب المُورق الوارف الظل في زوبعة من زقزقة عصافير الحسّون المُلوّنه حيث كان الوقت مُبكرا والحياة بلا تكليف وبلا حدود وتبدو بلا نهايه.
*** *** نسيمُ الكلمات بقلم : عبد الكريم مدايني *** 2026 *
تعليقات
إرسال تعليق