دمار /جهاد صباهي

 بلادي


الشاعر الدكتور جهاد صباهي


جالسٌ في المقهى

أنسلُّ من جسدي وأتركُ الضجيجَ ورائي

أتركُ النادلةَ حاملةً بيدِها قهوةَ الصباح

تبحثُ عنّي

أتركُ الكرسيَ مليئاً بضجري

ماعاد حديثُ الشعرِ في المقهى كما ألفناه

ولا دخانُ السجائرِ يرسمُ ملامحَ وطنٍ عرفناه

مازالت الفتنةُ قابعةً في زاوية المقهى

تلفُّ سلسلةَ الفرقةِ على رقابِ الكلماتِ 

وتنصبُ المكائدَ للأحرفِ الحالمةِ بالحياةِ 

سأفتحُ بابَ الصمتِ وأخرجُ ساحباً اليقينَ ورائي

أطرقُ بقلمي على السطور

أنجو بقصيدةٍ يتعرّى المشهدُ بين يديها

قبل أن يسكُتَ نِباحُ الكلابِ ورائي

ذلكَ يعني أنني ضللتُ الطريق

وخرجَ النصُّ عن التأويل


بلادي

بين لهيبِ الصيف وصقيع الشتاء

يلفظُ الصبرُ أنفاسَهُ الأخيرة

من غيرهِ سيهطلُ المطرُ حزيناً

يلطَّخُ النوافذَ بالدموع 

ويكشفُ عن بكاءٍ عميق

هل هذه بلادي أم جثةٌ مهترئةٌ ؟ 

يتَّسخُ بأوجاعِها النهار

وجعٌ يكسرُ قيدَهُ ليدخلَ في وجعٍ آخرَ

طفلٌ .. ينبشُ القمامةَ ليلتقطَ شظايا يومه

نهرٌ من نخيلٍٍ .. يسيرُ خلفَ وهمٍ ..لايدركه 

امرأةٌ .. تحثُّ حمامةً ميتةً على الطيران

أفواهٌ تتطايرمنها الشتائمُ .. 

كلماتٌ متقاطعةٌ في فمِ عجوز .. يُحاولُ حلَّها فينكسرُ قلمُ الرصاص

لامفرّ من القَصاص

قبلَ أن تُقيمَ الأنهارُ عزاءَها الأخير

ويصبحُ جوف الحوتِ ملجأً لوطنٍ ضريرْ


بلادي

أريدُ أن أكسر المرآةَ

لألتقِطَ حُلمَكِ النائمَ في زئبقِها

أخلعُ عن حضوركِ الأقاويل 

وأُسقطُ الوشايةَ الفاصلةَ بيننا

أمدُّ يدي إلى الغيبِ .. أنتزعُ صوري من يده

مللتُ تِكراري في التوابيتِ

ودمائي مرسلةٌ بطرودٍ إلى المجهول

لامفرَّ من الاعتراف

أنا المحكوم بقبلتِكِ الأخيرة على جبيني

أستديرُ نحو ضفيرتِكِ

التي تركتها مهتاجةً هناكْ 

ألتقطُ معها صورةً تذكاريةً لحلمنا

قبل أن يشيخ فننساه

ويصبحُ الغدُ حبراً أسودَ يلطخُُ أصابعي

أقولُ لقارئةِ البختِ :

ارتشفيني واقرئي فنجانَ قهوتي

اقرئي خطوطَ يدي حتى نهايةَ سُلالتي

اقرأي جسدي المطوَّق بآلام الفرقَةِ

بذاكرتي الملطخة بطين الشوارع

بهتافِ رجلٍ خذلته الطريق

بحكايتي أرويها على ميّتٍ مثلي

تقشرها الذكريات وحقائب الرحيل 

عجباً بلادي

من أين ما أبدأ أنتهي إليكِ 

أقولُ لك انتظريني

انتظاركِ حياةٌ أخرى لميتٍ مثلي

رحلَ جسدُه عنكِ

وروحُهُ تأبى الرحيل


د . جهاد صباهي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال